ليلى أمين السيف
لدينا نحن العرب علاقة غريبة جدا باللغة العربية. نحبها، نحترمها، نفتخر بأنها لغة القرآن ونردد أنها من أجمل لغات العالم ثم نفتح لوحة المفاتيح لنكتب جملة واحدة فتبدأ المأساة.
فجأة تتحول اللغة العربية إلى مخلوق غريب لا نعرف كيف نتعامل معه.
نكتب الهمزة وكأنها لغز في مسابقة والتاء المربوطة نضعها في إجازة مفتوحة والألف المقصورة لا ندري هل هي «ى» أم «ي» أما علامات الترقيم فبيننا وبينها ثأر قديم.
والأجمل أننا نكتب العربية ثم نُدخل إليها حرفا إنجليزيا من الباب الخلفي!
تجد الكلمة عربية لكن وسطها حرف لاتيني يتيم كأنه سائح ضل طريقه إلى الحي العربي.
ومن أطرف ضحايا هذه العقدة التاء المربوطة فحتى أولاد أخي إلى الآن يكتبون لي أحيانا: «عمى» بدل «عمّة».
وأظل أقرأها وأتساءل: عمى؟! مين اللي صار أعمى؟ أنا أم أنتم؟» ثم أكتشف أنهم يقصدون ببساطة: «عَمّة».
واضح أن التاء المربوطة عندهم تبدو رفاهية لغوية لا داعي لها.
وهكذا نكتشف أن المشكلة ليست في التاء المربوطة وحدها؛ فلدينا قائمة طويلة من الحروف التي نتعامل معها وكأنها اقتراحات اختيارية.
نكتب «انشاءالله» و»لاكن» و»هاذا» ونضيف ونحذف الحروف كيفما اتفق ثم نضع نقطة في النهاية بكل ثقة وكأننا للتو أنجزنا عملاً أدبياً متكاملاً.
ثم نلوم الأطفال لأنهم لا يعرفون العربية! «عمى» عند أولاد أخي كانت مجرد براءة طفولة لكنها كبرت معهم ولم تتقاعد حتى الآن!
أما «انشاءالله» عند الكبار فهذه تحتاج إلى اجتماع طارئ لمجلس اللغة العربية. والحقيقة أن المشكلة ليست في صعوبة العربية وحدها.
المشكلة أننا صنعنا حولها عقدة. أقنعنا الطفل منذ الصغر أن العربية مادة ثقيلة وأن النحو مجموعة من القواعد التي يجب حفظها من أجل الامتحان وأن الإعراب شيء يحدث للإنسان بعد منتصف الليل ولا يُنصح بالاقتراب منه. فيكبر الطفل وهو يعرف اختصارات الألعاب وأسماء مئات التطبيقات وربما يحفظ كلمات إنجليزية أكثر مما يحفظ كلمات عربية لكنه عندما يريد أن يكتب فقرة عربية يحتاج إلى لجنة تحقيق. ثم نسأله:
«ليش ما تقرأ؟»
يا جماعة الخير هو لم يجد أصلا من يعلّمه أن القراءة متعة لا عقوبة وحين لا نقرأ لاتزداد حصيلتنا اللغوية ولا تتسع مفرداتنا ولا نجد كلمات جديدة نعبّر بها عن أفكارنا ومشاعرنا لكن المشكلة لا تتوقف عند هذا الحد إذ نصل إلى مشكلة أكبر ألا وهي فقر المفردات؛ فكيف نطلب من شخص أن يعبّر عن مشاعره وأفكاره بلغة غنية بينما قاموسه اليومي لا يتجاوز «حلو، جميل، كويس، مرة، جدا، يعني».
أحيانا لا تكون المشكلة أن الشخص لا يعرف القاعدة بل أنه لا يملك المفردة أصلا. يريد أن يصف شيئا جميلا فيقول: «مرة حلو.» ويريد أن يصف شخصا طيبا: «إنسان كويس جدا»
ويريد أن يصف شعورا عميقا:
يعني ما أعرف، إحساس كذا
واللغة العربية أمامه جالسة بكامل ثروتها اللغوية تنظر إليه وتقول:
«يا ابني أنا عندي كلمات تكفيك سبع حيوات!» لكننا لا نستخدمها.
لدينا عشرات الكلمات للجمال والحزن والفرح والحنين والغضب والدهشة والخوف والحب وغيرها ثم نستخدم خمس كلمات ونعيد تدويرها حتى إشعار آخر.
حتى الأطفال اليوم أحيانا يملكون قاموسا إلكترونيا أكبر من قاموسهم العربي.
يعرف الطفل اسم الشخصية في اللعبة واسم السيارة واسم الحركة واسم المرحلة لكن لو قلت له:
حدثني عن يومك وماذا صنعت؟.
ينظر إليك وكأنك طلبت منه كتابة أطروحة دكتوراه. وهنا لا ألوم الطفل وحده فالطفل يأخذ لغته من البيئة. إذا كان يسمع طوال اليوم كلاما مختصرا ويقرأ نصوصا ركيكة ويرى الكبار يكتبون دون اهتمام فمن الطبيعي أن تصبح اللغة عنده مجرد وسيلة لتوصيل المعنى لا مساحة للتعبير. والأغرب أننا نطالب الجيل الجديد بإتقان العربية بينما نحن أنفسنا نكتب:
مبروك النجاح وانشاء الله نشوفك في اعلا المراتب ثم نذهب لنلقي عليه محاضرة عن أهمية اللغة العربية!
يا حبيبي أنت أولا أنقذ الجملة التي كتبتها ثم نتحدث عن مستقبل الأمة.
لكن لا أعتقد أن الحل أن نحول كل شخص إلى سيبويه.
لسنا بحاجة إلى أن يمشي الناس في الشوارع وهم يقولون:
جاءَ محمدٌ ورأيتُ محمدًا ومررتُ بمحمدٍ
نريد فقط أن يحب الناس لغتهم.
أن يقرأوا. أن يسمعوا العربية الجميلة. أن يتوقفوا قليلا قبل إرسال الجملة.
أن يعرفوا أن الفرق بين «إن شاء الله» و»إنشاء الله» ليس مجرد شكل؛ بل المعنى نفسه يتغير.
وأن يدركوا أن الكتابة ليست مجرد أصوات نضعها على الشاشة.
اللغة هي طريقتنا في التفكير ووصف مشاعرنا وحفظ ذاكرتنا ونقل حكاياتنا.
وفي النهاية ربما المشكلة لا تبدأ من الأطفال أصلا بل من الكبار. كيف نطلب من الطفل أن يعتز بلغته بينما في بلادنا العربية قد تكون الجهة التي توظفك عربية وموظفوها عربا ثم تصلك المراسلات بالإنجليزية وحتى في شوارعنا تجد اللافتة بالعربية وتحتها ترجمة إنجليزية وكأن السائح هو صاحب البلد!
نحن نتعلم لغات العالم ونسعى لإتقانها وهذا جميل لكن من الجميل أيضا أن تجد لغتنا حاضرة ومحترمة على الأقل داخل بلادنا. بل إننا أحيانا نضطر إلى «تكسير» لغتنا العربية حتى نتفاهم مع عامل أو سائق لا يتحدثها فنقول: «أنا يروح، أنت يجي، تمام محمد؟» وكأن محمد أصبح اسما افتراضيا لكل عامل لا نعرف اسمه! وهذه ليست مجرد طرفة؛ ففيها إساءة للشخص الذي له اسم وهوية وفيها أيضا انتقاص من اسم نبينا صلوات الله عليه حين نحوله إلى لقب جاهز نطلقه على كل من أمامنا.
نحب لغات الآخرين ونتعلمها ونحترمها فلماذا لا نمنح لغتنا الحب والاحترام نفسيهما؟
وفي المحصلة الطفل لا يتعلم اللغة من الكتب وحدها بل يتلقاها أولا ممن حوله فإذا اضطربت لغة الكبار انتقل اضطرابها إلى الصغار ثم نستغرب عندما يكتب لنا الطفل «عمى» بدل «عمة».