صالح الشادي
في أعماق كل إنسان كنزٌ لا يعلمه إلا الذي خلقه. موهبةٌ صغيرة، شرارةٌ أولى، بذرةُ نورٍ وُلدت معه قبل أن يتعلم الحروف. ليست ترفاً ولا صدفة، بل هي رسالة من السماء إلى الأرض، وخطٌّ في كتاب المقادير. قال تعالى: {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ}، وقال سبحانه: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}. فالتفاوت ليس ظلماً، بل حكمةٌ بالغة، ليكمل بعضنا بعضاً، وليكون لكل امرئ دوره في هذه الحياة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اعملوا فكلٌّ ميسّرٌ لما خُلق له».
لكننا في هذا العالم، وفي زحمة هذا العصر، اختزلنا الإنسان في رقم. حوّلنا المدارس إلى مصانع شهادات، والجامعات إلى محطات عبور، وسوق العمل إلى مقبرة مواهب. أصبحنا نتعاطى بلغة الأرقام: المعدل، المجموع، الترتيب. وكأن الشهادة الورقية صارت الميزان الوحيد لقيمة البشر. والحقيقة أن الحفظ ليس جوهر التميز، بل هو موهبة من مواهب شتى. هناك من يحفظ جداول الرياضيات، وآخر يحفظ النظريات الفيزيائية، وثالث يحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، لكن أياً منهم قد لا يمتلك المرونة في التفكير، ولا القدرة على التطبيق، ولا مهارة التعامل مع الناس. وكم من طالبٍ تخرج بمعدل ممتاز، وهو عاجز عن حل مشكلة بسيطة في حياته، أو عن إدارة حوار ناجح مع من حوله. وهنا تكمن المفارقة: نكافئ الذاكرة ونهمل العقل، ونحتفي بالحفظ ونغفل عن الإبداع.
إن مشكلة كثير من القطاعات والمؤسسات في العالم أنها تختار وفق الشهادة لا وفق الموهبة. نعم، قد تكون الشهادة مهمة في المهام التقنية والعلمية الدقيقة، لكن الأهم دائماً هو البناء الشخصي، والقدرات الذهنية، والسلوكية، والقدرة على الابتكار. فمن ذا الذي يلتفت إلى المفكرين المكتشفين، ورجال العلاقات العامة، والمبتكرين، والمصممين، وأصحاب الرؤى، ممن لم يحصلوا على درجات علمية كافية؟ عباقرةٌ قد لا يعرفون كيف يقدمون أنفسهم، وقد عرفت بالصدف الكثير منهم، فإذا هم كنوزٌ دفينة تحتاج من يكتشفها.
ولو أجلنا النظر في مشاهير العالم سياسةً واختراعاً واقتصاداً، وعدنا إلى ملفاتهم الدراسية، لوجدنا كثيراً منهم في مؤخرة الصفوف، إن لم يكونوا من البلداء. إنهم لم يدخلوا الجامعات ولا حتى المدارس في بعض الأحيان، لكن الموهبة التي أودعها الله بهم هي ما جعلتهم تحت الضوء، وهي ما غيرت وجه التاريخ.
يا أيها الآباء، لا تجبروا أبناءكم على دخول كليات الطب أو الهندسة لمجرد أن المعدل يؤهلهم. إن كان ابنك رساماً بارعاً، أو موسيقياً، أو محباً للتاريخ والأدب، فلا تطفئ شمعته لتشعل شمعة أخرى لا تناسبه. صحيح أنه قد يصبح طبيباً أو مهندساً، لكنه سيكون بلا عطاء ولا تميز، وقد يعيش في كآبة التناقض الذي يجري في حياته. وكم من صديقٍ لنا مهنته أو شهادته في اتجاه، وقدراته ومواهبه في اتجاه آخر! هذا الأمر علينا أن نلتفت إليه بشدة، وأن نراعيه في اختيار الموظف، وتربية الأبناء، بل حتى في التعاطي مع البشر. قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}، فكيف نكلف أبناءنا ما لا تطيقه فطرتهم؟
يا أيها المدراء، ابحثوا عن المواهب في مؤسساتكم. خصصوا أصحاب بصيرة يستطيعون التمييز والاختيار والالتقاط. تجاوزوا بعض الروتين، وابحثوا عن الجوهر الحقيقي لا عن المظهر الورقي. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة»، فمن ذا الذي ينقّب عن هذه المعادن؟ ومن ذا الذي يرى الموهوب قبل أن يمرّ أمامه ألف مرة وهو لا يعرفه؟
إن الحياة لا تنهض بالشهادات وحدها، بل تنهض بالعقول المبدعة، والقلوب الشغوفة، والأيدي الماهرة، والنفوس التي عرفت سرّ موهبتها فصقلتها وأتقنتها. يقول صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه»، ولا إتقان بلا شغف، ولا شغف بلا موهبة.
لا تستهن بمن أبدع في الجغرافيا أو التاريخ أو حتى التربية الفنية، فقد يصنع مثل هؤلاء تغيراً اجتماعياً أو حتى كونياً من حولهم. وفي المقابل قد تصنع طبيباً لا تتجاوز حركته غرفة عيادته وبيته. إن العظمة لا تقاس بالمكانة الاجتماعية وحدها، بل بما يقدمه الإنسان من عطاء يلامس حياة الآخرين ويحدث فرقاً حقيقياً. فكم من مخترعٍ لم يكمل تعليمه، وكم من أديبٍ لم ينل شهادة عليا، وكم من قائدٍ غيّر مجرى التاريخ وهو لم يدخل مدرسة قط. إن الموهبة حين تجد من يرعاها ويوجهها، تصبح قوةً لا تُقهر.
فيا أيها الناس، ابحثوا عن المواهب. في بيوتكم، وفي مدارسكم، وفي مؤسساتكم. ابحثوا عنها في الصامتين، وفي المهمشين، وفي الذين لم تنصفهم الأرقام. فمن وجد موهبته فقد وجد طريقه، ومن أعان غيره على اكتشافها فقد أضاء دنيا بأكملها. قال تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}. فالعمل الذي يرضي الله هو العمل الذي يخرج من قلبٍ صادق، وموهبةٍ صادقة، ونفسٍ عرفت لماذا وُلدت.