د. ناهد باشطح
فاصلة:
«ما لم نستطع أن نستقبل بقلب مفتوح، فلن نستطيع حقاً أن نعطي بقلب مفتوح»
- برينيه براون
من كتابها هدايا عدم الكمال-
********
لماذا يسهل عليّ أن أعطي، بينما يصعب عليّ أحياناً أن أستقبل؟
فاجأني هذا السؤال حين قالت لي إحدى المشاركات -في معسكر الثراء ببالي والذي تنظمه أكاديمية «كن انت» للدكتور «إيهاب الحمارنة»- لما بادرت بمساعدتي فشكرتها ورفضت بلطف فقالت: أعط نفسك فرصة أن تستمتعي بعطائي!
كنت أظن أن العطاء إحدى أجمل صفاتي، أن أكون حاضرة حين يحتاجني أحد، أن أقدم من وقتي ومعرفتي واهتمامي، لكن في تلك المسافة الجغرافية البعيدة عن حياتي، بدأت أرى المسافة التي صنعتها بيني وبين احتياجاتي.
تداركت أنني بحاجة إلى أن أستقبل الاهتمام دون أن أسارع إلى رده، والمساعدة دون أن أشعر بالحرج، واللطف دون أن أبحث عمَّا يمكنني تقديمه في المقابل.
كانت تجربة بسيطة في ظاهرها، لكنها فتحت داخلي سؤالًا ظل يرافقني: هل يمكن أن نكون معطاءات إلى درجة أننا نحرم أنفسنا من حق الاستقبال؟
ربما تبدأ الحكاية قبل الأمومة بسنوات طويلة.
حين تتلقى الطفلة الاهتمام لأنها لا تسبب المشكلات، قد تتعلَّم شيئًا لم يقصده الكبار: أن تكوني محبوبة يعني أن تكوني غير متطلبة.
تكبر الفتاة، وتصبح امرأة قادرة على كل شيء، لكنها قد تجد صعوبة في قول جملة بسيطة: أحتاج إليك، ثم تصبح أماً، تحاول أن تكون حاضرة في تفاصيل حياة الأسرة، لكن المفارقة أن الأم التي تمنح هذا الحب غير المشروط، قد تكون هي نفسها امرأة لم تتعلَّم كيف تستقبل هذا الحب.
هي تجيد العطاء، لكنها ترتبك حين يعطيها أحد، تعرف كيف تسند، لكنها لا تعرف كيف تستند.
لا يعني ذلك أن كل امرأة مستقلة تحمل جرحًا من طفولتها، ولا أن الاعتماد على النفس مشكلة في ذاته. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول القدرة على الاستقلال إلى عجز عن قبول المساندة.
في «بالي»، بعيداً عن حياتي المعتادة، لم يكن أحد يعرف مهنتي أو شهاداتي أو تاريخي. لم أكن مطالبة بأن أكون الصحافية التي تعرف الإجابات، أو الأم المحققة للرغبات، أو الكوتش التي تمد اليد لطريق صحيح، كنت مجرد امرأة جاءت من بعيد، تحمل حقيبة وأسئلة لا يعرفها أحد. وربما كانت هذه إحدى هدايا السفر التي لم أتوقعها: أن أرى نفسي خارج الأدوار التي اعتدت أداءها.
والسؤال: كم من النساء يعشن سنوات طويلة وهن يقدمن كل شيء دون أن يسألن أنفسهن إن كنّ يحصلن على شيء؟ وكم من الأمهات يعلّمن أبناءهن أن يطلبوا المساعدة حين يحتاجون إليها، بينما يعجزن هن عن فعل الشيء نفسه؟
في «بالي» سمحت لنفسي أن أكون المستقبلة لأرزاق الله.. هناك، بعيداً عن أدواري المعتادة، قرَّرت أن أستقبل المساعدة، والاهتمام، واللطف، والوقت الذي يمنحه لي الآخرون، أن أكون حاضرة دون أن أكون مسؤولة عن راحة الجميع.
في «بالي»، لم أتعلّم أن أتوقف عن العطاء... تعلّمت أن أفتح يدي لأستقبل.
ومن خلال التأمل اليومي الذي نمارسه مع الدكتور إيهاب الحمارنة، عاد إليّ السؤال نفسه، لكن هذه المرة في مساحة مختلفة.
لم يعد الأمر متعلقًا باستقبال الرعاية والاهتمام، بل باستقبال الفرص والمال.
وجدت نفسي أتأمل علاقتي بما أقدمه للآخرين.
أمتلك سنوات طويلة من الخبرة الصحفية، وسنوات من الخبرة في التدريب والكوتشنق، لكن هل كنت أمنح خبرتي القيمة التي تستحقها؟
هنا أدركت أن علاقتنا بالمال قد تكون أحياناً امتداداً لعلاقتنا بالاستحقاق.
فمن اعتادت أن تشعر بقيمتها حين تعطي، قد تجد صعوبة في طلب المقابل المادي لخدمات مدفوعة تقدمها، أو الاعتراف بأن خبرتها تستحق عائداً مادياً كبيراً، ليس لأن المال لا يعني لها شيئًا، بل ربما لأنها اعتادت أن تمنح أكثر مما تطلب.
وبدأت أفهم الثراء من زاوية أخرى، بأنه القدرة على أن أسمح لما أقدمه بأن يعود إليّ في صورة فرص، وتقدير، وعائد أستحقه.