د. عيسى محمد العميري
شهدت وما زالت المملكة العربية السعودية مرحلة متقدمة من إحياء التراث الوطني وصون الهوية الثقافية، في مسار يجمع بين المحافظة على أصالة الماضي والاستفادة من أدوات التنمية الحديثة. ولم يعد التراث يُنظر إليه باعتباره مجرد مبانٍ قديمة أو مواقع تاريخية، بل أصبح مكوناً حياً من مكونات الهوية الوطنية، ورافداً ثقافياً وسياحياً واقتصادياً يعزز حضور المملكة على الخريطة العالمية. وتبرز جدة التاريخية «البلد» نموذجاً واضحاً لهذا التوجه، فقد أُسس برنامج جدة التاريخية عام 2018 بهدف إدارة المنطقة وتنميتها والحفاظ على تراثها المادي وغير المادي، ثم أُطلق مشروع إعادة إحيائها عام 2021، بهدف تطوير المجال المعيشي واستثمار عناصرها الثقافية بما يدعم النمو الاقتصادي ومستهدفات رؤية السعودية 2030. وتتميز جدة التاريخية بمكانة استثنائية، فهي مسجلة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ عام 2014، وتعكس تاريخ جدة بوصفها ميناءً رئيسياً على البحر الأحمر وبوابة للحجاج القادمين إلى مكة المكرمة. كما تتميز مبانيها التقليدية باستخدام الحجر الجيري المرجاني و«الرواشين» والعناصر المعمارية التي تعكس تفاعل المدينة التاريخي مع طرق التجارة والثقافات المختلفة، وتتواصل أعمال الترميم والتأهيل للحفاظ على المباني التاريخية وإعادة توظيفها في أنشطة حديثة، تشمل الضيافة والثقافة والتجارة والسكن. وتستهدف مبادرة ترميم المباني التاريخية دراسة وترميم مئات المباني وإعادة استخدام عدد كبير منها، بما يحافظ على القيمة العمرانية للمنطقة ويمنحها حياة جديدة بدلاً من بقائها مجرد شاهد على الماضي. وفي قلب نجد، تأتي الدرعية باعتبارها نموذجاً آخر للربط بين التاريخ والتنمية، ويحتل حي الطريف مكانة خاصة باعتباره أحد مواقع التراث العالمي المسجلة لدى اليونسكو منذ عام 2010، وارتباطه بتاريخ الدولة السعودية الأولى، وتظهر العمارة الطينية النجدية في مبانيه وقصوره وممراته، لتقدم للزائر تجربة مباشرة مع جانب أصيل من تاريخ المملكة. واللافت في التجربتين أن التطوير لا يستهدف محو الملامح التاريخية، بل يقوم على إعادة تقديمها بصورة معاصرة مع المحافظة على أصالتها. ففي جدة، يجري تطوير البنية التحتية والخدمات والضيافة مع الحفاظ على الطابع العمراني، بينما تجمع الدرعية بين المواقع التاريخية والمتاحف والمطاعم والفعاليات الثقافية والتجارب السياحية الحديثة. وتتجاوزهمية هذه المشاريع الجانب السياحي؛ إذ تفتح المجال أمام الاستثمار في الصناعات الثقافية والحرف التقليدية والضيافة والمشروعات الصغيرة، وتوفر فرصاً جديدة أمام أبناء المناطق، كما تمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف على تاريخ بلادها من خلال تجربة حية وليست مجرد معلومات في الكتب،وهكذا تتحول عملية إحياء التراث في السعودية إلى مشروع وطني متكامل، يحفظ الذاكرة ويعزز الاعتزاز بالهوية، وفي الوقت نفسه يفتح أبواباً جديدة للسياحة والاستثمار والثقافة. وبين أزقة جدة التاريخية وطين الدرعية وعمارتها النجدية، تقدم المملكة نموذجاً يقوم على معادلة واضحة: المستقبل لا يعني التخلي عن الماضي، بل يمكن أن يُبنى فوق أساسه ويحافظ على روحه وأصالته.
** **
- كاتب كويتي