د.شريف بن محمد الأتربي
يرفع طالب يده في منتصف الحصة. لا يسأل عن فكرة لم يفهمها، ولا عن مثال لم يتضح له، بل يسأل: هل سيأتي هذا في الاختبار؟
سؤال بريء في ظاهره، لكنه يختصر علاقة الطالب بكل ما يحدث داخل الصف.
وهذا السؤال لا يولد من فراغ؛ فالبيئة الصفية هي مركز العمليات داخل المدرسة، ومن خلالها يدير المعلم العملية التعليمية، ويتعرف إلى طلابه وقدراتهم ومهاراتهم، ويبني خطط العمل بناء على ما يتوصل إليه من معلومات وملاحظات داخل هذه البيئة. واللافت للنظر أن هذه البيئة الصفية تخضع لكثير من القواعد والقوانين الحاكمة للعملية التعليمية داخلها، وتستمر آثارها خارجها أيضًا؛ فهي مرتبطة بمعايير تقييم المعلم، وبقواعد السلوك والمواظبة، وبالجدول المدرسي وأوقات الحضور، وبالعديد من الضوابط والإجراءات التي قد يساعد كثير منها في تحقيق أهداف التعلم، بينما قد يتحول بعضها الآخر، إذا أُدير بصورة جامدة، إلى عائق أكثر منه معينًا.
لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده ليس: كيف ندير الصف؟ بل: إلى أين نريد أن يقودنا الصف؟
فالبيئة الصفية ليست مجرد مساحة تضم معلمًا وطلابًا ومقاعد وسبورة، وليست مكانًا لتنفيذ محتوى مقرر في زمن محدد، ثم الانتقال إلى محتوى آخر في اليوم التالي. إنها المكان الذي تتشكل فيه عادات التفكير، وطريقة طرح الأسئلة، والقدرة على الحوار، ومهارات التعاون، والثقة بالنفس، والقدرة على اتخاذ القرار، بل وتتكون فيه صورة الطالب عن نفسه وعن قدرته على التعامل مع عالم يتغير بصورة أسرع مما تتغير معه الكتب والمناهج.
إن البيئة الصفية هي المكان الذي تُرسم فيه ملامح المستقبل؛ حيث يُغلق الباب على قائد الصف وطلابه لتبدأ رحلة تعليمية ليست لغد قريب، وإنما لغد بعيد مجهول. ولهذا فإن هذه البيئة تحتاج إلى خريطة ترسم وجهتها أكثر من حاجتها إلى قواعد تنظم الدخول إليها أوالخروج منها.
فإذا كنا نعلم الطالب اليوم لمستقبل قد يمتد عشرات السنين، فكيف يمكن أن نصمم صفًا يستند في جوهره إلى احتياجات الحاضر فقط؟
ربما يعرف الطالب اليوم المعلومة التي يحتاج إليها في الاختبار، لكنه قد يحتاج بعد سنوات إلى مهارة لم ندرّبه عليها أصلًا. وقد يستطيع استرجاع الإجابة الصحيحة، لكنه سيواجه في حياته العملية أسئلة لا توجد لها إجابة محفوظة في كتاب. وقد ينجح في تنفيذ تعليمات واضحة، لكنه سيجد نفسه في المستقبل أمام مواقف تتطلب منه أن يضع السؤال قبل أن يبحث عن الإجابة، وأن يختار بين بدائل متعددة، وأن يتحمل مسؤولية قراره.
وهنا تظهر الفجوة بين صف يهيئ الطالب للنجاح في المدرسة، وصف يهيئه للنجاح خارج المدرسة.
المستقبل البعيد لا يحتاج فقط إلى طالب يعرف، وإنما إلى إنسان يستطيع أن يتعلم من جديد كلما تغيرت المعرفة، وأن يعمل مع الآخرين، وأن يتعامل مع الاختلاف، وأن يميز بين المعلومة والرأي، وأن يستخدم التقنية دون أن يصبح تابعًا لها، وأن يستفيد من الذكاء الاصطناعي دون أن يتنازل له عن عقله.
ولذلك فإن السؤال عن البيئة الصفية يجب ألا يتوقف عند شكل المقاعد أو مستوى الانضباط أو استخدام الوسائل التقنية، بل ينبغي أن يصل إلى جوهر العملية: ماذا يحدث لعقل الطالب داخل هذا الصف؟
هل يُسمح له بأن يسأل؟
هل يُمنح فرصة لأن يخطئ ثم يتعلم من خطئه؟
هل يناقش ويجادل ويحاور؟
هل يعمل مع زملائه أم يعمل دائمًا بصورة فردية؟
هل يواجه مشكلات حقيقية تحتاج إلى تفكير، أم يكتفي بحل أسئلة يعرف مسبقًا نمطها؟
هل يتعلم كيف يصل إلى المعرفة، أم يتعلم فقط ما تقرر أن يعرفه؟
هذه الأسئلة لا تعني أن النظام والانضباط والجدول المدرسي والتقويم ليست مهمة. على العكس، فالمدرسة تحتاج إلى إطار واضح يحمي العملية التعليمية ويضمن العدالة والانضباط وجودة الأداء. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الإطار من وسيلة إلى غاية، وعندما يصبح نجاح الصف مقاسًا بمدى الالتزام بالإجراءات أكثر من قياس ما يحدث فعليًا في عقول الطلاب.
فالصف المنضبط ليس بالضرورة صفًا متعلمًا، والصف الهادئ ليس بالضرورة صفًا يفكر، والصف الذي ينهي جميع عناصر المنهج ليس بالضرورة صفًا أعد طلابه للمستقبل.
التقنية وحدها لا تصنع صف المستقبل
وقد نخطئ حين نتصور أن تطوير البيئة الصفية يبدأ وينتهي بتجهيزها بأحدث التقنيات، أو بإدخال شاشات تفاعلية وأجهزة ذكية، أو بتطبيق استراتيجيات تعليمية حديثة تحمل أسماء متعددة.
كل ذلك مهم، لكنه لا يصنع وحده بيئة تعليمية منتجة.
فقد يكون الصف مزودًا بأحدث التقنيات، ويستخدم المعلم أكثر الاستراتيجيات التعليمية حداثة، وتكون جميع الأدوات متاحة أمام المعلم والمتعلم، ومع ذلك لا يحدث التعلم الذي نريده.
لماذا؟
لأن الأدوات لا تصنع الرغبة في التعلم، والاستراتيجية لا تصنع وحدها الإيمان بقيمة ما نتعلمه.
إن البيئة الصفية، مهما بلغت من التجهيز ومهما تنوعت فيها التقنيات والاستراتيجيات، لن تكون منتجة بالقدر المأمول ما لم يوجد توافق ورغبة حقيقية لدى المعلم والمتعلمين على أنهم داخل هذه البيئة لا يؤدون حصة عابرة، وإنما يصنعون الغد.
وهنا تحديدًا تكمن القضية الأعمق.
المعلم يجب أن يدخل الصف وهو يدرك أن الطالب الذي أمامه ليس مجرد متعلم سيجيب عن اختبار في نهاية الفصل، وإنما إنسان سيعيش في عالم قد يكون مختلفًا جذريًا عن العالم الذي نعرفه اليوم.
والطالب كذلك يجب أن يدرك أن ما يفعله داخل الصف ليس من أجل درجة فقط، ولا من أجل اجتياز اختبار، وإنما من أجل بناء نفسه وقدرته على مواجهة مستقبل لم تتضح ملامحه بعد.
عندما يلتقي هذا الوعي لدى الطرفين، تتغير طبيعة العلاقة داخل الصف.
يتحول سؤال المعلم من: ماذا سأشرح اليوم؟ إلى: ماذا سأبني اليوم في شخصية هذا الطالب؟
ويتحول سؤال الطالب من: هل سيأتي هذا في الاختبار؟ إلى: أين يمكن أن أستخدم ما أتعلمه؟
وهنا فقط تبدأ البيئة الصفية في الانتقال من كونها مكانًا لتنفيذ التعليم إلى كونها بيئة لبناء الإنسان.
من مدير للحصة إلى قائد لتجربة التعلم
ولعل المرحلة القادمة تتطلب أن نعيد النظر في مفهومنا للمعلم داخل البيئة الصفية. فالمعلم في المستقبل لن يكون مجرد ناقل للمعرفة؛ لأن المعرفة أصبحت متاحة بصورة غير مسبوقة، وأصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على تقديم إجابات وتفسيرات ومقارنات خلال ثوانٍ.
لكن ما لا يمكن أن تقوم به التقنية وحدها هو بناء الإنسان، وتنمية حكمه، وتشكيل قيمه، وتعليمه كيف يختار، وكيف يتحمل المسؤولية، وكيف يتعامل مع الآخر، وكيف يستخدم المعرفة في المكان والوقت المناسبين.
وهنا يتحول المعلم من مدير للحصة إلى قائد لتجربة تعلم.
والفرق بين الاثنين كبير.
مدير الحصة يسأل: هل انتهيت من شرح الدرس؟
أما قائد تجربة التعلم فيسأل: ماذا حدث للطالب بعد هذا الدرس؟
هل تغيّر فهمه، وهل أصبح قادرًا على أن يستخدم ما تعلمه في موقف جديد لم يره من قبل؟
ولعلنا بحاجة إلى أن ننتقل من تصميم الدرس إلى تصميم تجربة التعلم، ومن إدارة وقت الحصة إلى استثمار وقت الحصة، ومن متابعة ما يفعله المعلم إلى متابعة ما يتعلمه الطالب فعلًا.
ماذا نقيس حين نقيس الصف؟
غير أن هذا التحول لن يحدث بمجرد مطالبة المعلم به. فالمعلم الذي يُقيَّم على إنهاء المنهج في موعده، وعلى هدوء صفه، وعلى اكتمال ملفاته، سيجد نفسه مضطرًا إلى إدارة الحصة لا إلى قيادة التعلم، مهما كانت قناعته.
ولا يمكن أن نطلب منه أن يخوض تجربة تعليمية مفتوحة، ثم نحاسبه بأدوات صُممت لقياس الالتزام بالإجراءات.
ولهذا فإن إعادة رسم خريطة الصف تبدأ من إعادة النظر في معيار نجاحه: أن يُقاس نجاح الحصة بما تعلّمه الطالب، لا بما أدّاه المعلم؛ وأن يدخل المشرف التربوي الصف ليسأل الطلاب ماذا تعلموا، قبل أن يسأل المعلم ماذا أنجز.
وهذا ليس ترفًا تربويًا، بل هو ما تقتضيه مستهدفات برنامج تنمية القدرات البشرية في إعداد مواطن قادر على المنافسة عالميًا، وما يتجه إليه نظام التعليم العام الجديد في عنايته ببناء شخصية الطالب ومهاراته. فهذه المستهدفات لن تتحقق في الوثائق، وإنما في الحصة التي يعيشها الطالب كل يوم.
المستقبل الذي لم يولد بعد
إن المستقبل البعيد لا يمكن التنبؤ بتفاصيله، وهذه هي المفارقة التي تجعل مهمتنا التعليمية أكثر صعوبة. فنحن لا نعرف على وجه الدقة الوظائف التي سيعمل فيها أبناؤنا، ولا التقنيات التي سيستخدمونها، ولا المشكلات التي سيواجهونها بعد عشرين أو ثلاثين عامًا.
لكننا نعرف شيئًا واحدًا: أن المعرفة التي سيحتاجون إليها لم تُكتب بعد، وأن أحدًا لن يكون حاضرًا ليشرحها لهم.
فالمهارة الوحيدة المضمونة للمستقبل هي القدرة على التعلم في غياب المعلم؛ أن يعرف الطالب كيف يسأل، ومن أين يبدأ، وكيف يحكم على ما يجد. وهو ما تضعه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في قلب إطارها «بوصلة التعلم 2030» حين تتحدث عن فاعلية الطالب؛ أي أن يكون صاحب القرار في تعلمه، لا متلقيًا له.
وهذه القدرة لا تُزرع في الطالب بمحاضرة عن المستقبل، وإنما تُبنى يوميًا داخل الصف.
فإذا أردنا طالبًا يسأل، فعلينا أن نبني صفًا يسمح بالسؤال.
وإذا أردنا طالبًا مبتكرًا، فعلينا أن نعطيه مساحة للتجربة والخطأ.
وإذا أردنا طالبًا قادرًا على اتخاذ القرار، فعلينا أن نمنحه مواقف حقيقية يمارس فيها الاختيار ويتحمل نتيجته.
وإذا أردنا طالبًا قادرًا على العمل في فرق، فلا يكفي أن نتحدث عن التعاون في الكتب، بل يجب أن يصبح التعاون جزءًا من طريقة التعلم نفسها.
وإذا أردنا إنسانًا يستطيع أن يعيش في عالم يتغير باستمرار، فلا ينبغي أن تكون المدرسة المكان الذي يتعلم فيه أن الإجابة الصحيحة دائمًا موجودة في نهاية الصفحة.
إن البيئة الصفية التي نحتاجها للمستقبل ليست بيئة بلا ضوابط، وليست بيئة يُترك فيها المعلم والطالب دون إطار. إنها بيئة ذكية في تنظيمها، مرنة في ممارساتها، واضحة في أهدافها، إنسانية في تعاملها، ومفتوحة على المستقبل.
لكنها قبل كل ذلك بيئة يجتمع فيها المعلم والمتعلم على قناعة واحدة:
أننا لسنا هنا فقط لنتعلم ما يحتاجه الحاضر، وإنما لنبني ما سيحتاجه الغد.
ولعلنا بحاجة إلى أن نعيد رسم الخريطة التي تقود البيئة الصفية، بحيث لا يكون السؤال الأول: كيف نحافظ على سير الحصة؟ بل: كيف نجعل كل دقيقة فيها تضيف شيئًا إلى الإنسان الذي سيغادر المدرسة يومًا ليواجه عالمًا لا نعرفه نحن؟
فالصف ليس غرفة تنتهي مهمتها بانتهاء الحصة، وليس الطالب مشروع اختبار ينتهي بانتهاء العام الدراسي.
الصف هو المكان الذي نبدأ فيه صناعة الإنسان الذي سيعيش المستقبل.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه اليوم هو:
هل بيئتنا الصفية، بكل ما فيها من معلم ومتعلّم ومناهج وتقنيات وأنظمة، قادرة فعلًا على أن تصنع الغد؟