مهدي آل عثمان
حين يلفت مجلس الشورى النظر إلى وجود تضخم في بعض الدرجات العلمية للكادر التعليمي بجامعة بيشة، ويدعو إلى معالجة أسبابه ووضع آليات فاعلة لحصول أعضاء هيئة التدريس على المؤهلات العلمية المستهدفة، فإن هذه الملاحظة تتجاوز كونها رقماً في تقرير سنوي إلى قضية ترتبط بجوهر العمل الجامعي، وبكيفية بناء الكادر الأكاديمي واستثماره وتطويره على المدى البعيد.
فالجامعة لا تُقاس فقط بعدد كلياتها وبرامجها وطلابها، وإنما بما تمتلكه من رأس مال بشري مؤهل، قادر على التعليم والبحث والإنتاج المعرفي وخدمة المجتمع. ومن هنا تصبح تركيبة الدرجات العلمية والرتب الأكاديمية قضية تخطيط إستراتيجي، لا مجرد شأن إداري يرتبط بالترقيات أو الابتعاث.
واللافت في ملاحظة مجلس الشورى أنها جمعت بين جانبين مترابطين؛ معالجة أسباب التضخم، ووضع آليات فاعلة للوصول إلى المؤهلات العلمية المستهدفة. وهذا الربط يوضح أن القضية لا تتعلق فقط بكثرة الأعداد في درجة معينة، بل بكفاءة المسار الأكاديمي نفسه، ومدى قدرته على نقل عضو الكادر التعليمي من مرحلة علمية إلى أخرى وفق خطة واضحة واحتياج مؤسسي مدروس.
فالطبيعي في المؤسسات الجامعية أن يسير عضو الكادر التعليمي في مسار علمي متدرج، يبدأ بالتأهيل الأكاديمي، ثم استكمال الدراسات العليا، والوصول إلى المؤهل المستهدف، ومن ثم الانتقال في الرتب العلمية وفق الأنظمة والمعايير المعتمدة. أما بقاء أعداد من الكادر التعليمي سنوات طويلة في درجة أو مؤهل معين، فقد يؤدي إلى اختلال في التوازن بين الرتب الأكاديمية، ويحد من قدرة الجامعة على تلبية احتياجاتها التعليمية والبحثية بالصورة المطلوبة، والارتقاء بمكانتها بين الجامعات.
ومعالجة هذه الحالة لا ينبغي أن تُختزل في الأفراد، بل يجب أن تتجه إلى المنظومة نفسها. فالتضخم في درجة علمية معينة قد يكون نتيجة محدودية فرص الابتعاث، أو تأخر القبول في الجامعات، أو عدم المواءمة بين التخصصات المتاحة والاحتياجات الفعلية، أو ضعف التخطيط بعيد المدى للكادر الأكاديمي، أو وجود إجراءات تحتاج إلى تطوير وتسريع.
وهنا تبرز أهمية بناء خريطة دقيقة لرأس المال الأكاديمي في جامعة بيشة، أو أي جامعة أخرى، تحدد فيها كل كلية احتياجها للسنوات المقبلة، والتخصصات الدقيقة المطلوبة، وأعداد الكوادر في كل رتبة علمية، والفجوات القائمة، والمسارات المناسبة للتأهيل والابتعاث والترقية.
ويمكن أن يساند ذلك بناء شراكات أكاديمية فاعلة مع الجامعات السعودية والعالمية التي تمتلك خبرات متقدمة في تطوير الكفاءات وإدارة المسارات الأكاديمية؛ فالشراكة لا ينبغي أن تقتصر على توقيع الاتفاقيات، وإنما تتحول إلى برامج عملية لنقل المعرفة والخبرات، وتبادل أعضاء هيئة التدريس، والإشراف المشترك، والتدريب والتطوير المهني، والاستفادة من التجارب الناجحة في تخطيط الاحتياج الأكاديمي وإدارة الابتعاث وبناء القيادات الجامعية. فليس من الضروري أن تبدأ كل جامعة تجربتها من الصفر، بينما توجد تجارب متقدمة يمكن الاستفادة منها وتكييفها بما يتناسب مع احتياجات الجامعة وخصوصية بيئتها.
كما يمكن لهذه الشراكات أن تفتح مسارات نوعية أمام المعيدين والمحاضرين وأعضاء هيئة التدريس من خلال برامج الدراسات العليا المشتركة، والزمالات البحثية، والزيارات العلمية، والمشروعات البحثية بين الجامعات، بما يسرّع عملية تطوير الكفاءات ويحقق استفادة متبادلة. وهنا تتحول الشراكة من علاقة مؤسسية شكلية إلى أداة حقيقية لصناعة الكفاءات ونقل الخبرة وتوطين المعرفة.
وعندما تُبنى خريطة الكادر على بيانات دقيقة وتُدعم بشراكات علمية فاعلة، فإن الابتعاث يتحول من إجراء فردي إلى مشروع مؤسسي، وتصبح الترقية جزءاً من خطة تطوير الجامعة، ويصبح توزيع أعضاء هيئة التدريس أكثر توافقاً مع الاحتياج الفعلي للأقسام والبرامج.
كما أن التخطيط للكادر الأكاديمي ينبغي ألا ينفصل عن الاحتياجات التنموية للمحافظة والمنطقة. فجامعة بيشة تقع في بيئة تمتلك فرصاً كبيرة في مجالات الزراعة، والمياه، والطاقة المتجددة، والصحة، والبيئة، والتقنية، وإدارة الأعمال، والخدمات اللوجستية. ومن المهم أن تتجه خطط التأهيل والابتعاث والشراكات الأكاديمية نحو تخصصات تخدم هذه المجالات، وتربط الجامعة بصورة أعمق بالمجتمع والاقتصاد المحلي.
فالاستثمار في عضو هيئة التدريس لا يقتصر على حصوله على مؤهل أعلى، وإنما يمتد إلى ما يقدمه بعد ذلك من تعليم وبحث وابتكار واستشارات وخدمة للمجتمع. وكلما ارتبطت التخصصات العلمية باحتياجات المنطقة، أصبحت الجامعة أكثر قدرة على أداء دورها التنموي، وتحولت المعرفة التي تنتجها إلى أثر ملموس في محيطها.
ومعالجة التضخم في بعض الدرجات العلمية تحتاج أيضاً إلى مؤشرات أداء واضحة، تقيس متوسط بقاء عضو الكادر التعليمي في كل درجة، ونسبة من انتقلوا إلى المؤهلات المستهدفة، وأسباب التعثر، ونسب الابتعاث والعودة، ومدى توافق تخصصات المبتعثين مع احتياجات الأقسام. ومع توفر هذه المؤشرات يصبح القرار أكثر دقة، وتتحول الإدارة من معالجة المشكلة بعد ظهورها إلى التنبؤ بها قبل حدوثها.
وتأتي ملاحظة مجلس الشورى هنا كفرصة لتعزيز التطوير المؤسسي داخل الجامعة، بحيث تتحول الملاحظة إلى خطة عمل واضحة، تبدأ بالتشخيص الدقيق، ثم تحديد الأسباب، ووضع المسارات المناسبة للتأهيل، والاستفادة من الشراكات والخبرات الأكاديمية المتقدمة، وتحديد جداول زمنية للتنفيذ، ومتابعة النتائج بصورة مستمرة.
فالهدف ليس تقليص الأعداد أو التعامل مع بعض الدرجات العلمية باعتبارها مشكلة في ذاتها، وإنما تحقيق التوازن بين الرتب الأكاديمية، وتسريع تأهيل الكفاءات، وضمان أن تكون كل درجة علمية جزءاً من مسار تطوير واضح يخدم الجامعة وأهدافها المستقبلية.
إن جامعة بيشة أمام فرصة مهمة لتحويل هذه الملاحظة إلى مشروع تطوير شامل للكادر الأكاديمي، ينتقل بها من إدارة الأعداد إلى صناعة الكفاءات، ومن معالجة التكدس بعد حدوثه إلى التخطيط المسبق، ومن العمل بصورة منفردة إلى الشراكة ونقل الخبرات والاستفادة من التجارب المتقدمة، ومن النظرة الوظيفية للدرجة العلمية إلى رؤية تعتبر عضو هيئة التدريس استثماراً علمياً وتنموياً طويل الأمد.
وحين يُبنى هذا المسار على البيانات الدقيقة، والتخطيط الواضح، والشراكات النوعية، والاحتياج الحقيقي، فإن معالجة تضخم الدرجات لا تكون مجرد استجابة لملاحظة رقابية، بل بداية لمرحلة أكثر كفاءة في بناء الكادر، وأكثر قدرة على دعم رسالة الجامعة وخدمة بيشة والوطن.