د. عبدالعزيز بن غازي الغامدي
إن بعض القيادات لا تأتي الى المكان لتضيف اليه حضوراً جديداً، بل تأتي بعين ترى ما وراء ما هو قائم، ترى في التاريخ طاقة وفي الإنسان قيمة، وفي المؤسسة فرصة متجددة لصناعة أثر أكبر في الوطن غالباً ما يكون التصفيق في ختام الاجتماعات مجرد إشارة إلى انتهاء النقاش. غير أنني شعرت، في هذا الاجتماع تحديداً، بأن التصفيق كان يمثل بدايةً لا نهاية. لقد كان تصفيقاً من نوع مختلف؛ فلم يكن مجرد مجاملة للمتحدث أو احتفاءً بما طُرح من آراء خلال لقاء رسمي، بل نبع من القلب؛ إذ جعلت طريقة عرض الأفكار الحضور يشعرون بأنهم يشهدون رؤية تتجاوز تفاصيل الاجتماع لتلامس قضية أعمق وأشمل: ماذا يحدث عندما تتولى قيادة مؤسسة عريقة شخصيةٌ تضع الإنسانَ فوق الهيكل التنظيمي، والقدرات فوق الإجراءات، والأثر فوق مجرد الأرقام؟ وفي يوم الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026م أتيحت لي فرصة حضور لقاء عرض فيه صاحب السمو الأمير الدكتور عبدالعزيز بن محمد بن عياف، رئيس مجلس ادارة جامعة الملك سعود، قضايا الجامعة مع نخبة من القيادات الأكاديمية وأعضاء هيئة التدريس بالجامعة. لقد منحني الاستماع إليه وهو يتحدث عن الجامعة رؤية أعمق وأغنى بكثير مما قد يستمده المرء من السير الذاتية أو التقارير الإخبارية المنشورة. في حين تمنحنا قراءة تاريخ الشخص فهماً لخبراته، فإن الاستماع إليه وهو يناقش مؤسسة يعرف تفاصيلها بدقة ويدرك إمكاناتها الكامنة يكشف عن جوانب أخرى تماماً: نهجه في القيادة، وأولوياته في تحديد نقطة الانطلاق، ورؤيته لما يمكن أن تكون عليه هذه المؤسسة.
لقد كان لقاؤنا بالأمير د. عبدالعزيز بن عياف، واحداً من تلك اللقاءات التي تُحدث فيك تغييراً ملموساً. لم يكن السبب سماعي لأفكار جديدة كلياً بالنسبة لي، بل لأنني بدأت أنظر إلى مفاهيم مألوفة من زاوية مختلفة، وأعيد طرح الأسئلة ذاتها بمستوى أعمق من التحليل.
في مقالي السابق في صحيفة الجزيرة في عدد يوم الأربعاء 5 ربيع الاخر 1448هـ، كان السؤال المطروح هو: لماذا الأمير د. عبد العزيز بن عياف؟ أما بعد هذا اللقاء، فقد وجدت نفسي أمام سؤال مختلف: أي نوع من الجامعات سنرى حينما يكون الإنسان هو نقطة الانطلاق؟ وهنا، اتضحت لي بوضوح تلك الرابطة اللافتة بين خبرته السابقة ورؤيته للجامعة. فالرجل الذي اقترن اسمه بمفهوم أنسنه المدن لم يكن يرى المدينة مجرد طرق ومباني ومشاريع، بل كان يراها حيزاً نابضاً بالحياة؛ مكاناً يتحرك فيه الناس ويشاركون ويتركون بصماتهم. كما عكست خبرته الإدارية التزاماً بتقريب عملية اتخاذ القرار من ميدان العمل، ومنح الوحدات الأقرب للناس مساحة أكبر للمبادرة والعمل. ومن هذا المنظور، فإن الانتقال من المدينة إلى الجامعة يمثل أكثر من مجرد تنقل بين موقعين إداريين؛ إنه يجسد تحولاً في كيفية النظر إلى المؤسسة ذاتها. مهما بلغت عراقة الجامعة أو اتساع نطاقها، لا يمكن تعريفها بمجرد مبانيها أو لوائحها أو هياكلها التنظيمية؛ فالأشخاص الذين يضمهم كيانها من أساتذة وباحثين وطلاب وموظفين وخريجين هم من يبعثون فيها الحياة.
وعندما يُوضع الإنسان في صميم الفكر المؤسسي، يتغير مفهوم الكثير من الأمور: فالطالب ليس مجرد مُخرج تعليمي، بل هو ثروة وطنية قادرة على صياغة المستقبل. والأستاذ ليس مجرد عضو في هيئة التدريس، بل هو مصدر لرأس المال الفكري. والباحث ليس مجرد مُنتِج للأبحاث العلمية، بل شريك في مواجهة التحديات وتوليد المعرفة، والكلية ليست مجرد وحدة تنظيمية، بل مساحة للتخصص والمبادرة وخلق الفرص. والخريج ليس مجرد اسم في سجلات الجامعة، بل امتداد حي للمؤسسة في مختلف قطاعات الوطن. وهنا يكمن المفهوم الأعمق: أن تتمحور أنشطة المؤسسة حول الأشخاص الذين يصنعون قيمتها، وأن تُوجَّه مواردها نحو تعزيز قدراتهم على التعلم والابتكار والمبادرة وإحداث الأثر. وهذا بالتحديد ما يضفي طابعاً متميزاً على النقاش الدائر حول المرحلة المقبلة.
لا تبدأ جامعة الملك سعود من الصفر؛ فهي تمتلك تاريخاً عريقاً، وسجلاً حافلاً بالإنجازات في مجالي المعرفة والبحث العلمي، وكفاءات أكاديمية متميزة، وشبكة واسعة من الطلاب والباحثين والخريجين الذين يمثلون امتداداً لها في مؤسسات الدولة والقطاعات الاقتصادية والمجتمع بأسره. وهنا تكمن في نظري سمة القيادة المستنيرة ذات الرؤية الثاقبة تلك التي تدرك أن التغيير الحقيقي لا يعني بالضرورة تغيير الوضع الراهن، بل يكمن في استكشاف الإمكانات غير المستغلة داخله، وإطلاق طاقاته الكامنة، وربط نقاط القوة فيه، وإتاحة مساحة أكبر للحركة والتكامل؛ مما يحوّل أصول الجامعة الحالية إلى قوة أكثر فاعلية في صياغة المستقبل، ويمنحها تأثيراً أعمق في مسيرة تقدم الوطن.
إن قوة الجامعة لا تُقاس بمجرد وجود أعضاء هيئة تدريس متميزين، بل بضمان أن ينعكس هذا التميز بشكل مباشر وإيجابي على الطلاب، والمناهج، والبحث العلمي، والابتكار. ولا تتحدد قوتها بامتلاك كليات متطورة فحسب، بل بضمان أن تعزز قوة كل كلية كيان الجامعة ككل. كما أنها لا تُعرّف بمجرد توليد المعرفة، بل بالقدرة على تحويل تلك المعرفة من قاعات الدراسة والمختبرات إلى فوائد ملموسة تعود بالنفع على المجتمع والاقتصاد وتلبي احتياجات الوطن.
وفي هذا السياق، تصبح عمليات تمكين الكليات، واستقطاب الكفاءات، وتحسين البيئة الأكاديمية، وتعزيز البحث والابتكار، ودفع عجلة التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، حلقات مترابطة ضمن منظومة متكاملة، بدلاً من كونها مجرد مبادرات منفصلة تسير في مسارات متوازية. فلم يعد السؤال ببساطة: «ما الذي يمكننا إضافته إلى الجامعة؟» بل أصبح السؤال: «كيف نطلق العنان للإمكانات التي تمتلكها الجامعة بالفعل؟» وهذا سؤال مختلف جوهرياً. فالمؤسسات العريقة لا تُقاس بما راكمته عبر السنين فحسب، بل بقدرتها على تحويل ذلك الإرث إلى مصدر قوة متجددة.
وهكذا، يتحول تاريخ الجامعة إلى مورد للمستقبل بدلاً من أن يكون مجرد سجل للماضي؛ وتصبح خبرات أعضاء هيئة التدريس أساساً لابتكارات جديدة؛ ويغدو الطلاب مصدراً للطاقة الوطنية؛ وتتحول الكليات إلى مراكز لخلق الفرص؛ ويصبح الباحثون شركاء في مواجهة التحديات؛ ويعمل الخريجون كجسور تربط الجامعة بالمجتمع ومؤسسات الدولة والاقتصاد.
عند هذه النقطة، ينتقل منظورنا من مجرد النظر إلى مؤشرات الجامعة ومخرجاتها التقليدية، ليتجه نحو الدلالة الأوسع لمكانتها وتأثيرها داخل المملكة. لقد اعتدنا قياس حضور جامعة الملك سعود من خلال تصنيفاتها العالمية، وعدد برامجها، وحجم نتاجها البحثي؛ وهي مقاييس تعكس بلا شك جوانب من مكانتها الأكاديمية. ومع ذلك، فإن تاريخ الجامعة وتجربتها يوفران سياقاً أكثر اثراءً لفهم حقيقة حضورها ودورها. فعلى مر العقود، تجاوز دور الجامعة حدود التعليم والبحث العلمي؛ إذ ساهمت بفاعلية في بناء رأس المال البشري، ورعاية المواهب، وإنتاج المعرفة، وإعداد أجيال من الكفاءات الوطنية الذين يمتد تأثيرهم ليشمل مؤسسات الدولة، والقطاعات الاقتصادية، ومجالات التنمية الوطنية المتنوعة. وهكذا، أصبحت الجامعة جزءاً لا يتجزأ من مسيرة بناء الوطن؛ ليس فقط من خلال حضورها الأكاديمي، بل عبر الأثر العميق والممتد الذي يصنعه خريجوها وباحثوها وأعضاء هيئة التدريس فيها خارج أسوارها.ولعل أهم ما يميز هذا الإرث هو أنه ليس مجرد ماضٍ انتهى، بل هو رصيد حي قادر على دفع الجامعة نحو آفاق أوسع من التأثير. فكل قائد تخرج من أروقتها، وكل مهني تولى منصباً قيادياً، وكل مشروع بحثي خدم قضية وطنية، وكل فكرة تحولت إلى ابتكار، وكل خريج يساهم بفاعلية في سوق العمل؛ يمثلون جميعاً حلقات في سلسلة التأثير المستمر للجامعة على المملكة.
وهذا ما يبرز أهمية القيادة ذات الرؤية الثاقبة؛ فالهدف ليس مجرد استحضار هذا الإرث للاحتفاء به، بل البناء عليه وتطويره. كما يتطلب الأمر دمج خبرات الجامعة وقدراتها وكلياتها وأبحاثها وشراكاتها في منظومة أكثر تماسكاً؛ منظومة تطلق العنان لإمكاناتها، وتوسع نطاق تأثيرها، وتحوّل أصولها المتراكمة إلى قوة متجددة قادرة على إحداث أثر أعظم في مستقبل المملكة. إن الهدف لا يقتصر على إيجاد مكانة جديدة للجامعة، بل يتجاوز ذلك لضمان مساحة أوسع لها ضمن المستقبل الذي تصيغه المملكة.
ولعل هنا تكمن القيمة الحقيقية للتحول: تحويل المعرفة إلى ابتكار، والابتكار إلى تطبيق، والكفاءة إلى ريادة، والخبرة إلى فرصة، وجعل الخريج امتداداً للمؤسسة ذاتها. وتلتقي كل هذه المسارات عند هدف واحد: إحداث أثر يليق بمكانة الجامعة ودورها في مسيرة الوطن. وربما يكون هذا هو الجانب الأكثر إثارة للتأمل في تجربة الأمير د.عبد العزيز بن عياف. فكما يُنظر إلى المدينة بوصفها حيزاً للحياة الإنسانية، يمكن النظر إلى الجامعة بوصفها حيزاً للتنمية البشرية؛ ففي المدينة تتشكل جودة الحياة، بينما في الجامعة تُصاغ المعرفة والقدرات وتُخلق الفرص. وفي كلتا الحالتين، لا تكمن قيمة المكان فيما يحتويه فحسب، بل في المساحة التي يتيحها للأفراد للعمل والمشاركة والابتكار وترك بصمة خالدة. إن التحدي الأبرز في المرحلة المقبلة لا يتمثل ببساطة في بناء مكانة جديدة لجامعة الملك سعود فتاريخها ومكانتها ومواردها تضعها بالفعل في مصاف مؤسسات التعليم العالي الرائدة في المملكة، بل في إطلاق كامل إمكاناتها. فالأمر يتعلق بتحويل هذا الرصيد الهائل من الأصول إلى أثر أوسع، وحضور أعمق، وقيمة أعظم في مسيرة الوطن.
وهنا، تعود بي الذاكرة إلى التصفيق الذي استهللت به هذا المقال. ففي نظري، لم يكن ذلك التصفيق مجرد استجابة لفكرة عابرة، بل كان تفاعلاً مع شعور بأن النقاش لامس جانباً يتجاوز الإدارة ليصل إلى الإنسان، ويمتد أبعد من حدود الجامعة ليشمل الوطن بأسره.
إن الجامعة العريقة لا تحتاج دائماً إلى تخطيط من خارجها لبناء مستقبلها. أحياناً، يكمن أعظم أشكال القيادة في استشراف المستقبل الكامن داخل المؤسسة، وتمهيد الطريق للفرد ليُحيله إلى واقع ملموس؛ فالقائد يفتح الآفاق، والفرد يملؤها.
ولعل هذا هو السبب الذي جعلني أرى في الانتقال من مفهوم «أنسنة المدينة» إلى «أنسنة الجامعة» ما يتجاوز مجرد كونه عنواناً؛ إذ يمثل هذا التحول تغييراً في الرؤية، وانتقالاً من الحيز المكاني الذي يحتضن الإنسان إلى المؤسسة التي تطلق العنان لقدراته على المعرفة والعمل وإحداث الأثر.
لعل أجمل ما في هذا اللقاء هو أن المرء يغادره لا متسائلاً عما قد يتغير في الجامعة، بل متأملاً فيما يمكنها تحقيقه حين تُستثمر كامل إمكاناتها وتتوحد طاقاتها نحو هدفٍ واحد. وهنا، يتجاوز حضور صاحب السمو الأمير الدكتور عبد العزيز بن محمد بن عياف مجرد قيادة مرحلة محددة؛ إذ يجسد رؤيةً تعلي من شأن التراث، وتؤمن بالعنصر البشري، وتنظر إلى الجامعة بوصفها شريكاً أصيلاً في صياغة مستقبل الوطن.
فامض يا سمو الأمير ونحن من خلفكم نمضي معكم في طريق غايته ان تظل جامعة الملك سعود كما كانت دائما منارة للعلم، صانعة للكفاءات ورافدا لمسيرة الوطن وان تكون في المرحلة القادمة أكثر قدرة على تحويل علمها وطاقاتها الى ما يليق بطموحات المملكة
فاذا كانت رسالة الجامعة ان تصنع المعرفة وتبنى الانسان وتسهم في نهضة الوطن فان أجمل ما يمكن ان نقوله اليوم تقدموا ونحن في اثركم فالمسيرة أكبر من جامعة والغاية أكبر من مرحلة والوطن هو الوجهة.
** **
(*) وكيل كلية علوم الأغذية والزراعة للشؤون التعليمية والأكاديمية، جامعة الملك سعود.