إبراهيم أبوهيف
شهدت صناعة الحديد والصلب في المملكة العربية السعودية خلال عام 2026 مرحلة أكثر نضجًا في علاقتها بالاقتصاد الوطني، فلم يعد القطاع مرتبطًا فقط بطلب المشروعات الكبرى أو احتياجات البناء، وإنما أصبح جزءًا من منظومة أوسع تجمع التعدين والطاقة والتصنيع والخدمات اللوجستية والتجارة، وهو ما أعاد تقديم الصناعة باعتبارها أحد القطاعات التي يمكن أن تضيف قيمة مباشرة إلى الموارد الوطنية، وتدعم الصناعات التحويلية، وتزيد قدرة المملكة على توطين منتجات إستراتيجية كانت تعتمد بدرجات متفاوتة على الأسواق الخارجية.
ويأتي هذا المسار امتدادًا للدعم الذي يحظى به قطاعا الصناعة والتعدين من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود – حفظه الله -، ومن صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء – حفظه الله -، حيث اتجهت المملكة خلال العام إلى تعميق البناء الصناعي وربط الاستثمارات الجديدة بالقطاعات ذات الأولوية، بالتوازي مع إستراتيجية صندوق الاستثمارات العامة للفترة من 2026 إلى 2030 التي تركز على بناء منظومات اقتصادية محلية أكثر تكاملًا ورفع تنافسية القطاعات الوطنية وتعظيم القيمة الناتجة عن الأصول والموارد السعودية.
ويكشف مؤتمر التعدين الدولي الذي استضافته الرياض مطلع العام عن طبيعة هذا التحول، فالاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي قاربت قيمتها مئة مليار ريال لم تكن مرتبطة بالاستخراج وحده، وإنما امتدت إلى الاستكشاف والتطوير والتقنيات وسلاسل القيمة والاستدامة، وهو ما يضع صناعة الحديد والصلب ضمن الحلقة التالية مباشرة لأي توسع في استغلال الموارد المعدنية، لأن القيمة الاقتصادية لا تتحقق فقط عند استخراج الخام، بل عند إدخاله في عمليات تصنيع تنتج مواد أكثر تقدمًا وتفتح المجال أمام صناعات أخرى.
ويكتسب هذا التوجه بعدًا أكثر وضوحًا مع إقرار مجلس إدارة صندوق الاستثمارات العامة، برئاسة سمو ولي العهد، إستراتيجيته للفترة من 2026 إلى 2030، التي تضع بناء منظومات اقتصادية محلية عالية التنافسية وتعزيز التكامل بين القطاعات وتعظيم قيمة الأصول الإستراتيجية ضمن مرتكزاتها الأساسية، وهي رؤية تمنح الصناعات الأساسية، وفي مقدمتها الحديد والصلب، مساحة أكبر للارتباط بالصناعات المتقدمة والخدمات اللوجستية والطاقة النظيفة والتعدين، بما يحول المنتج الصناعي من نهاية لسلسلة الإنتاج إلى بداية لسلاسل صناعية أخرى أكثر قيمة.
وقد جاء تأكيد مجلس الوزراء على ما تحقق في قطاعي الصناعة والتعدين من تعزيز للقدرات المحلية، واستقطاب للاستثمارات النوعية، وزيادة للاكتفاء الذاتي، ورفع لتنافسية الصادرات الوطنية، ليعكس حجم التحول الذي يشهده الاقتصاد الصناعي السعودي، فصناعة الحديد والصلب لا تتحرك اليوم بمعزل عن هذه البيئة، بل تستفيد من توسع المشروعات، ونمو الطلب الصناعي، وتطور الموانئ والنقل، وزيادة الاستثمارات في الطاقة والتعدين والصناعات التحويلية، وهو ما يمنحها قاعدة طلب واسعة وفرصًا متزايدة للنمو والتخصص.
ومع تولي صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وزارة الصناعة والثروة المعدنية إلى جانب وزارة الطاقة، اتسعت مساحة التكامل بين ملفي الطاقة والصناعة، وهي معادلة شديدة الأهمية لصناعة الحديد والصلب، وقد أكد سموه أن النمو المتسارع في الطلب على الطاقة تقوده التوسعات الاقتصادية والتقنية والصناعية، وأن تنويع مصادر الطاقة وتعزيز موثوقيتها واستدامتها أصبح ضرورة لدعم النمو الاقتصادي وأمن الإمدادات، كما وضع خام الحديد ضمن الثروات المعدنية التي تمتلكها المملكة، في تأكيد واضح على أن الطاقة والمعادن والصناعة باتت تتحرك داخل رؤية واحدة مترابطة.
وعلى مستوى السوق، حافظ الطلب المحلي على منتجات الحديد والصلب على قوته مع استمرار مشروعات البنية الأساسية والطاقة والصناعات الثقيلة، إلا أن التطور الأهم تمثل في الاتجاه نحو زيادة إنتاج الأنواع الأكثر تخصصًا من الصلب، وخاصة الألواح الثقيلة والمنتجات المستخدمة في الطاقة والمنشآت البحرية والنقل والصناعات الكبرى، بما يقلل الاعتماد على الواردات ويمنح السوق السعودي قدرة أكبر على تلبية احتياجات المشروعات من منتجات عالية القيمة بدل الاقتصار على المنتجات الإنشائية التقليدية.
وتحركت الشركات السعودية خلال العام أيضًا باتجاه تعزيز أمن الإمدادات، مع زيادة الاهتمام بتأمين خام الحديد وتطوير ترتيبات النقل البحري وربط الاحتياجات الصناعية بحلول لوجستية أكثر استقرارًا، وهو توجه اكتسب أهمية إضافية في ظل التوترات التي شهدتها المنطقة واضطراب بعض مسارات التجارة، لكنه في الحالة السعودية ظهر باعتباره فرصة لتقوية سلاسل الإمداد الوطنية ورفع قدرة الشركات على التخطيط طويل الأجل واستمرار الإنتاج دون الاعتماد الكامل على ترتيبات خارجية متغيرة.
ويبرز كذلك مسار الصلب منخفض الانبعاثات باعتباره أحد أهم عناصر التنافسية السعودية خلال المرحلة المقبلة، فاعتماد جزء مهم من الصناعة على تقنيات الاختزال المباشر والأفران الكهربائية، مع إمكانية التوسع مستقبلًا في استخدام الهيدروجين، يمنح المملكة أساسًا صناعيًا يتناسب مع التغير الجاري في قواعد التجارة العالمية، خاصة مع ارتباط الأسواق الكبرى بصورة متزايدة بالبصمة الكربونية للمنتجات، وهو ما يجعل كفاءة الطاقة وخفض الانبعاثات عنصرًا تجاريًا بقدر ما هو عنصر بيئي.
كما شهد السوق خلال 2026 خطوات تعكس تطور بنيته التنظيمية والمعلوماتية، من بينها تطوير مؤشرات استرشادية لأسعار خردة الحديد والصلب، بما يوفر مرجعية أكثر وضوحًا لحركة الأسعار ويزيد قدرة المنتجين والمستهلكين والمستثمرين على قراءة السوق، وهو تطور مهم لصناعة تتجه إلى التوسع في إعادة التدوير والاستفادة من الخردة باعتبارها أحد المدخلات المؤثرة في تكاليف الإنتاج وخفض الانبعاثات.
وإذا كانت المملكة تبني قوتها الصناعية من الداخل، فإن عام 2026 يحمل دلالة أخرى تتجاوز حدود السوق الوطني، إذ تتولى الصناعة السعودية رئاسة الاتحاد العالمي للصلب اعتبارًا من أكتوبر 2026، لتسجل المملكة حضورًا غير مسبوق عربيًا في قيادة أحد أهم الكيانات الدولية المعنية بصناعة الصلب، وهو موقع يمثل اعترافًا بما وصلت إليه الصناعة السعودية من ثقل وخبرة وقدرة على الحضور داخل دوائر النقاش وصناعة القرار في قطاع يمثل أحد أعمدة الاقتصاد العالمي.
وعلى المستوى العربي، يتقاطع هذا الحضور السعودي المتصاعد مع حراك جديد يشهده الاتحاد العربي للحديد والصلب خلال عام 2026، إذ توسعت أدواته في مجالات الإعلام والدراسات الاقتصادية وبحوث السوق والتدريب وبناء العلاقات العربية والدولية، وأصبح أكثر اهتمامًا بمتابعة الأسعار والتجارة والإجراءات الحمائية والإغراق والرسوم والاستدامة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد، بما يعزز قدرته على خدمة الصناعة العربية في وقت تتغير فيه قواعد المنافسة عالميًا بوتيرة متسارعة.
كما اتجه الاتحاد العربي إلى بناء شبكة أوسع لتمثيل مصالح صناعة الصلب العربية وفتح قنوات منتظمة بين الشركات والجهات المعنية بالصناعة والتجارة، إلى جانب تطوير برامجه الفنية والتدريبية وتبادل الخبرات بين المنتجين، وهو مسار يكتسب أهمية خاصة في ظل ما تمتلكه المنطقة العربية من موارد طاقة ومواقع جغرافية وأسواق كبيرة وخبرات متنامية في تقنيات الاختزال المباشر والصلب منخفض الانبعاثات.
ويمثل اتساع الحضور السعودي داخل الاتحاد العربي للحديد والصلب جزءًا من هذه الصورة، فزيادة تمثيل الشركات السعودية داخل مؤسساته تعني أن التجربة الصناعية للمملكة أصبحت أكثر اتصالًا بمسار الصناعة العربية ككل، خاصة في ملفات التوطين والطاقة والخدمات اللوجستية والمنتجات عالية القيمة والاستدامة، وهي مجالات تملك المملكة فيها تجربة متقدمة يمكن أن تضيف إلى مسار التكامل الصناعي العربي.
وتأتي قمة الصلب العربي التاسعة عشرة في القاهرة يومي الثالث والرابع من نوفمبر 2026 لتمنح هذا المشهد بعدًا عربيًا أوسع، فبعد أسابيع قليلة من بدء الرئاسة السعودية للاتحاد العالمي للصلب، تمتد الخيوط من الرياض إلى القاهرة، ومن الحضور العالمي إلى التشاور العربي، حيث تجتمع صناعة الصلب العربية حول ملفات الطاقة والخامات وسلاسل الإمداد والتجارة والاستدامة والتقنيات الحديثة والرقمنة، وهي ذاتها الملفات التي قطعت فيها المملكة خطوات متقدمة، لتصبح قمة القاهرة محطة تلتقي عندها الخبرة السعودية الصاعدة مع تطلعات صناعة عربية تبحث عن مزيد من التكامل والقدرة والمنافسة.
وهكذا يرسم عام 2026 للسعودية مسارًا يتجاوز زيادة الإنتاج إلى زيادة القيمة، فالمملكة توسع قاعدتها الصناعية، وتتقدم نحو منتجات أكثر تخصصًا، وتعزز أمن الخامات وسلاسل الإمداد، وتبني ميزتها في الصلب الأقل انبعاثًا، وفي الوقت نفسه تصعد إلى موقع متقدم في مؤسسات الصناعة عالميًا وعربيًا، لتجتمع في التجربة السعودية قوة سوق تتسع، وصناعة تتعمق، وحضور يتقدم، في معادلة تجعل ما يُبنى في الداخل أكثر قدرة على التأثير في الخارج.
وفي ظل رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود – حفظه الله -، ورؤية صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء – حفظه الله -، والتكامل الذي يقوده صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان بن عبدالعزيز بين الطاقة والصناعة والثروة المعدنية، تبدو صناعة الحديد والصلب السعودية وهي تدخل مرحلة جديدة من النضج والثقل، فالرياض تبني القدرة، والقاهرة تجمع الخبرة العربية، والعالم يفتح للمملكة موقعًا في قيادة الصناعة، وبين وطن يوسع قاعدته الإنتاجية، ودور عربي يتقدم، وحضور عالمي يتأكد، يصبح الصلب السعودي جزءًا من قصة أكبر، قصة اقتصاد لا يكتفي بأن ينتج أكثر، بل يسعى لأن يصنع قيمة أكبر، ويحجز للصناعة السعودية مكانها في مستقبل الصلب عربيًا وعالميًا.