د. عبدالمحسن الرحيمي
ثلاثة أزمنة تتقاطع في المشهد السعودي: ثلاثمائة عام من الدولة، عشر سنوات من رؤية السعودية 2030، وعام 2026م الذي سمّته المملكة عامًا للذكاء الاصطناعي. التاريخ يمنح الدولة استمراريتها، والرؤية تقيس تحولها، والذكاء الاصطناعي يفتح مجالًا جديدًا لبناء القدرة الوطنية.
في كلمته أمام مجلس الشورى، امتد الخطاب من هوية الدولة ومرجعيتها إلى نتائج رؤية 2030، والاقتصاد والاستثمار، والإنسان وجودة الحياة، والتقنية والذكاء الاصطناعي، والمالية العامة، والأمن والدفاع، والعلاقات الخليجية والإقليمية.
بدأ الخطاب من الأساس الذي تستند إليه الدولة السعودية: ثلاثة قرون من الدولة السعودية، والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله، والتوحيد والعدل، والإرث والقيم والهوية الوطنية، وشرف خدمة الحرمين الشريفين وعمارتها ورعاية قاصديها.
ثم جاءت رؤية 2030 بعد عشر سنوات من انطلاقها، وقدّم الخطاب مؤشرات واضحة لمسيرتها: بلوغ 93% من مستهدفات مؤشرات أداء برامج واستراتيجيات الرؤية، ونمو الصادرات غير النفطية 155% مقارنة بعام 2016م، وارتفاع مساهمة القطاع الخاص إلى 51 % من الاقتصاد، إلى جانب تطور منظومة النقل والخدمات اللوجستية وقدرتها على التعامل مع التحولات في سلاسل الإمداد.
وأشار ولي العهد إلى أداء وكفاءة المواطنين والمواطنات بوصفهم أصلًا للنجاح، في سياق التحول الاقتصادي الذي شهدته المملكة خلال العقد الأول من الرؤية.
وفي السنوات الخمس المقبلة، يأخذ الاستثمار موقعًا أكثر ارتباطًا ببناء الاقتصاد المحلي. فقد أشار ولي العهد إلى إستراتيجية صندوق الاستثمارات العامة، بما تتضمنه من بناء منظومات اقتصادية محلية ذات قدرات تنافسية، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، ورفع المحتوى المحلي، وتحقيق عوائد مالية مستدامة، بالتوازي مع دور صندوق التنمية الوطني في تنمية قطاعات متعددة.
ويأتي التعدين ضمن مسارات التنويع، مع دخول المملكة قائمة الدول العشر الأكثر جاذبية للاستثمار التعديني.
ثم ينتقل الخطاب إلى التحول الرقمي. فقد أشار إلى تقدم المملكة في الجاهزية الرقمية، وتنمية الاتصالات والتقنية، والأمن السيبراني، ونضج الحكومة الرقمية، مع تحقيق مراتب متقدمة عالميًا في هذه المجالات.
وفي عام سمّته المملكة «عام الذكاء الاصطناعي»، حدد الخطاب مسارًا واضحًا: تطوير التطبيقات والحلول، وزيادة الإنتاجية، وتحسين جودة الخدمات، وتدريب الكفاءات السعودية.
وفي التخطيط طويل المدى، أكد الخطاب أن التخطيط يرتبط بالقدرة على التكيف مع المتغيرات، مع استمرار التنمية وتنويع الاقتصاد والحفاظ على المكتسبات للأجيال القادمة.
وحدد ولي العهد جوهر السياسة الاقتصادية في تنمية القدرات والإمكانات الوطنية، وتمكين القطاعات الواعدة، واستقطاب الاستثمارات المحلية والدولية، وتوجيه الموارد نحو المجالات الأعلى أثرًا اقتصاديًا واجتماعيًا، بما يحفظ القدرة على تمويل أولويات التنمية ويضمن استدامة المكتسبات للأجيال القادمة.
وأكد الخطاب أن رفعة الوطن وازدهاره وتحسين جودة الحياة في مقدمة الغايات، وأن التعليم والصحة من أولويات الدولة، مع الإشارة إلى نظام التعليم العام الجديد والتقدم في التحول الصحي.
وفي سوق العمل، تحدث ولي العهد عن الاستثمار في رأس المال البشري وتعظيم فرص المواطنين في دخول سوق العمل والمنافسة والتميز، ليكونوا القوة المحركة للتنمية.
وفي الإسكان، أشار إلى إصلاحات القطاع العقاري، وتوفير خيارات متعددة للمواطنين، ورفع نسبة تملك المساكن، مع استمرار معالجة تحديات القطاع بما يحافظ على التنمية ومقدرات الأجيال والاستقرار المالي والاقتصادي.
وتأتي ميزانية 2026م في السياق نفسه، بنفقات تبلغ 1.3128 تريليون ريال، وإيرادات مقدرة بـ1.1474 تريليون ريال، وعجز مقدر بـ165.4 مليار ريال، مع استمرار الإنفاق على التعليم والصحة والتنمية الاجتماعية والبنية التحتية وتمويل التحول الاقتصادي، بالتوازي مع المحافظة على استدامة المالية العامة.
وفي الأمن والدفاع، أكد ولي العهد امتلاك المملكة قدرات بشرية وعسكرية عالية الكفاءة قادرة على ردع التهديدات والتصدي لها.
وعلى المستوى الخليجي، أكد الخطاب أن أمن واستقرار دول مجلس التعاون «كل لا يتجزأ»، مع استمرار التعاون الاستراتيجي والتكامل الاقتصادي والعمل المشترك.
وفي الإطار الإقليمي، أشار إلى «حلف مكة الدفاعي» بين المملكة وتركيا وباكستان، وإلى أمن الطاقة والممرات البحرية، والتحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات لحماية المصالح المشتركة وضمان التدفق الآمن للسلع الأساسية والمساعدات الإنسانية.
وتناول الخطاب دور المملكة في أمن الطاقة، مؤكدًا استمرارها في أداء دورها في استقرار أسواق الطاقة، وفي حماية الممرات البحرية وضمان انسياب حركة التجارة.
وفي السياسة الخارجية، حضر فلسطين وغزة والمسجد الأقصى، مع تأكيد موقف المملكة تجاه حقوق الشعب الفلسطيني وإقامة دولته المستقلة وفق المرجعيات الدولية. وحضر اليمن من زاوية دعم الاستقرار وبسط سلطة الحكومة اليمنية، والسودان من زاوية وحدته واستقراره والمحافظة على مؤسساته وتجنيب شعبه الحرب والدمار.
كما أكد الخطاب العمل على خفض التصعيد ودعم الحلول الدبلوماسية، مع الحفاظ على أمن المملكة والرد الحازم على أي تهديد أو اعتداء يستهدفه.
وفي الجانب المؤسسي، يظل مجلس الشورى جزءًا من منظومة الدولة التي تواكب هذه التحولات. ووفق كلمة رئيس المجلس عن أعمال السنة الثانية من الدورة التاسعة، عقد المجلس 46 جلسة وأصدر 555 قرارًا.
ومع اتساع مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والتعدين والاقتصاد الرقمي والتقنيات الصحية، تتسع مساحة العمل التشريعي والتنظيمي في مجالات البيانات والحوكمة والمنافسة والتقنيات الجديدة.
وتتجمع محاور الخطاب حول مسار واحد: هوية الدولة، وتحول الاقتصاد، واتساع الاستثمار، وتطور التقنية، وبناء الإنسان، واستدامة المالية العامة، وتطور المؤسسات، وحماية الأمن والمصالح الوطنية.
وتدخل المملكة المرحلة المقبلة بقاعدة اقتصادية ومؤسسية وتقنية أكثر اتساعًا، وقطاعات جديدة تتشكل، واستثمارات تتجه إلى مجالات متنوعة، وسوق عمل يرتبط بصورة أكبر بمتطلبات الاقتصاد الجديد.
ثلاثمائة عام من الدولة، عشر سنوات من رؤية 2030، وعام الذكاء الاصطناعي؛ ثلاث محطات تجتمع في خطاب واحد، وتفتح أمام المملكة مرحلة جديدة من البناء الوطني.
حين تتحدث الدولة بلغة المستقبل، فإنها تتحدث عن اقتصاد يبني، وإنسان ينهض، ومؤسسات تتطور، وتقنية تصنع القيمة، وأمن يحمي المنجز، وقدرة وطنية تواصل البناء.