دهام بن عواد الدهام
نيابة عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، افتتح صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأربعاء 30 سبتمبر 2026، أعمال السنة الثالثة من الدورة التاسعة لمجلس الشورى.
الخطاب لم يكن شاملاً فحسب بل منهجاً وطنياً في وقت تمر فيه المنطقة والعالم بأحداث سياسية وجيوسياسية واقتصادية نتائجها السلبية تهدد مسيرة واستقرار العالم مما يصبغ هذا الخطاب برسالة سعودية وطنية شاملة تأكيد النهج الصارخ المبني على أسس وثوابت هذه الدولة برسم قيادتها -أيدهم الله- من الأولويات الاهتمام بشأن الداخلي، ورسم المواقف الخارجية السياسية والأمنية الإقليمية والدولية في ظل هذه المتغيرات التوترات.
تضمن الخطاب تأكيداً على الأسس الثابتة لهذه الدولة منذ نشأتها قائمة على كتاب الله وسنة رسوله، على منهج التوحيد والعدل، وهو نهج «لن نحيد عنه».
مع المحافظة على الإرث والقيم الأصيلة التي تزداد تجذراً منذ تأسيس هذه الدولة التي تزداد منعه وقوة التي ستكمل شبابها الـ 300 بموعد يوم التأسيس القادم والتي شرفها الله بخدمة الحرمين الشريفين وعمل كل ما من شأنه تحقيق الراحة والاطمئنان والأمان لقاصديهما من حجاج وزوار بتطوير مشاريع الأماكن المقدسة وتهيئتها لاستيعاب ملايين القاصدين في مواسم الحج والعمرة، مما يؤكد الالتزام المتوارث في هذه الدولة الأبية والاعتزاز بها الشرف تأكيدا أن مشاريع التنمية والتحديث لا يتعارضان مع الهوية السعودية الراسخة.
وفي إطار التنمية الشاملة، تضمن الخطاب منجزات رؤية المملكة 2030 التي حققت 93% من مستهدفاتها، بفضل الله ثم كفاءة المواطنين والمواطنات «الذين كانوا أصل كل نجاح» وذلك من خلال نمو الصادرات غير النفطية بمقارنة بـ2016 مساهمة القطاع الخاص إلى 51%. وكفاءة النقل والخدمات اللوجستية في التعامل مع اضطرابات سلاسل الإمداد.
كما حققت المملكة تقدما عالميا (المرتبة الأولى) في الجاهزية الرقمية، وتنمية الاتصالات والتقنية، والأمن السيبراني؛ و(الثانية) في نضج الحكومات الرقمية كما أعلن أن عام 2026 هو «عام الذكاء الاصطناعي»، بهدف جعل المملكة رائدة عالمياً في التطبيقات والحلول لزيادة الإنتاجية وتحسين الخدمات وتأهيل الكفاءات الوطنية.
الرسالة واضحة: الرؤية تحولت من طموح إلى نتائج ملموسة، والمواطن هو المحرك الأساسي.
كما أن صندوق الاستثمارات العامة باشر استراتيجيته للخمس سنوات المقبلة (بناء منظومات اقتصادية محلية، شراكة مع القطاع الخاص، تعزيز المحتوى المحلي، عوائد مستدامة)، بدعم من صندوق التنمية الوطني ودخول قائمة أكبر 10 دول جاذبية للاستثمار التعديني.
وفي إطار السياسات الاقتصادية وجودة الحياة أكد الخطاب الملكي أن التخطيط طويل المدى يعني القدرة على التكيف، وأن الإصلاحات عززت تنوع الاقتصاد وحوّلت التهديدات إلى فرص تنطلق من جوهر السياسة الاقتصادية: تنمية القدرات الوطنية، تمكين القطاعات الواعدة، استقطاب الاستثمارات، وتوجيه الموارد نحو الأثر الأعلى اقتصادياً واجتماعياً، مع ضمان استدامة المكتسبات للأجيال القادمة ورفعة الوطن وتحسين جودة الحياة من خلال التعليم والصحة المجالين اللذين يتصدران الميزانية (نظام التعليم العام لرفع الجودة عالمياً، والتحول الصحي لتغطية شاملة عالية المستوى) والاستثمار في رأس المال البشري لتحقيق مستهدفات خفض البطالة وإصلاح القطاع العقاري لتسهيل تملك المساكن وتوفير الخيارات متعددة، ومجابهة التحديات دون المساس بالاستقرار المالي أو مقدرات الأجيال.
وفي مجال الأمن والدفاع والسياسة الخارجية أكد الخطاب امتلاك المملكة قدرات بشرية وعسكرية عالية الكفاءة قادرة على التصدي وردع أي تهديدات كما شدد على أن الاعتداءات التي استهدفت جميع دول مجلس التعاون تؤكد أن الأمن والاستقرار الخليجي «كل لا يتجزأ»، والعمل مع دول الخليج على التعاون الاستراتيجي والتكامل الاقتصادي انطلاقا من رؤية خادم الحرمين الشريفين لتعزيز العمل الخليجي المشترك، ويتم العمل مع دول المجلس على صون الأمن والتعاون الإستراتيجي والتكامل الاقتصادي بما يحقق أهداف المجلس ويلبي تطلعات مواطنيه، كما تضمن الخطاب الملكي أنه وانطلاقا من الإسهام في تعزيز استقرار المنطقة تم إنشاء (حلف مكة الدفاعي) مع كل من تركيا والباكستان انطلاقا من الدور المهم في تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة دون إغفال ما يتعرض له العالم من أزمة في الطاقة تلعب المملكة صمام الأمان لأمن الطاقة العالمي بقدراتها لإمداد الأسواق الدولية رغم هذه الأزمة كما أن المملكة بادرت إلى إنشاء (التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات) لتعزيز الأمن البحري وحماية المصالح المشتركة في الممرات البحرية الدولية مع جهود المملكة مع الشركاء للعمل على تعزيز التعاون الدولي لحفظ الأمن ونزع فتيل التوترات لتحقيق الاستقرار الإقليمي والدولي مع التأكيد على المجتمع الدولي القيام بمسؤولياته خاصة ما يتعلق بأمن الإمدادات للسلع الأساسية والمساعدات الإنسانية.
لم تكن أوضاع اليمن الشقيق بعيدة عن الاهتمام الملكي في هذا الخطاب التي أكدت الدعم الشامل للشرعية في اليمن من خلال تحالف دعم الشرعية لبسط سلطتها على كامل البلاد واستعادة الاستقرار والتصدي لاعتداءات الميليشيات الحوثية الإرهابية، كما أكد الخطاب على دعم وحدة السودان واستقراره والمحافظة على مؤسساته الشرعية وتجنب شعبة مآسي الحرب والدمار، أدان الخطاب الملكي كموقف ثابت في منهج السياسة للمملكة بكل قوة استمرار الاعتداءات الوحشية لسلطة الاحتلال على (إخواننا) في فلسطين وفي غزة وانتهاكاتها المتعددة للمسجد الأقصى وتأكيد التزام المملكة بحق الشعب الفلسطيني موقف راسخ وجهد مستمر لن يتوقف إلى أن يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة بما في ذلك دولته المستقلة (هذا الايضاح الملكي الراسخ لعلي بالسلطة الفلسطينية التي تدرك هذا المبدأ وتعطي هذه الدروس إلى شلة وشرذمة من المنتمين للشعب الفلسطيني التي تتطاول على مواقف المملكة وقيادتها بتأثير قوى معادية أو بجهل لتلك المواقف).
يختتم سموه الكريم الخطاب الملكي بالإشارة إلى أن المملكة تبذل كل جهد لخفض التصعيد ودعم الحلول الدبلوماسية «دون أدنى تهاون في حفظ أمننا ولن نتردد بالرد الحازم على أي تهديد أو اعتداء يستهدف المساس به»، وأكد الخطاب الفخر بأبطالنا البواسل لتصديهم لجميع أشكال التهديد ويقظتهم واستعدادهم المستمر ليبقى الأمن مضلة بلادنا والاستقرار درعا لها والازدهار منهجها.
ومما تشير إليه الدلالة السياسية والاستراتيجية في هذا الخطاب الذى أكد على (ثوابت الدولة منذ التأسيس، الرؤية التنموية والأولويات الاجتماعية) إلى جانب الحكمة الدبلوماسية في التعامل مع المستجدات، تأكيد الحزم والردع على أي محاولة اعتداء على المملكة من أي مصدر يكون هذ التهديد من خلال قدراتها الذاتية إلى جانب رؤيتها في التحالفات الجديدة، وجهودها لأمن الطاقة وأمن وسلامة الممرات).
وفي المجال الاقتصادي يعكس الثقة في مرونة الاقتصاد والقدرة على التعامل مع الأزمات الإقليمية والدولية، كما يضع المواطن وجودة الحياة في صميم خطط التنمية يمثل هذا الخطاب المهم خارطة طريق واضحة للمرحلة المقبلة في العمل الداخلي والدبلوماسي ويؤكد أن المملكة بقيادتها الحكيمة وفي مشاريعها التنموية بثقة، مع يقظة أمنية وعسكرية كاملة مع المتغيرات السياسية والجيوسياسية والاقتصادية دون التنازل عن المصالح أو الثوابت الراسخة.
وفق الله مقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان وسدد خطاهم لما فيه خير هذه البلاد.