محمد بن عبدالله آل شملان
تخوض المملكة العربية السعودية اليوم حقبة استثنائية في تاريخها الحديث، تقودها «رؤية 2030» التي حوّلت البلاد إلى وجهة عالمية أولى لأضخم الفعاليات الرياضية وسياحة المحركات.
ومع النجاحات المدوية التي يحققها «رالي داكار العالمي» على أرض المملكة، وبروز راليات محلية وإقليمية مثل رالي حائل، رالي القصيم، ورالي جدة، يبرز تساؤل جوهري يفرض نفسه على الساحة الرياضية والاستثمارية: لماذا لا يكون هناك رالي مستقل يحمل اسم «رالي وادي الدواسر»؟!
إن نظرة فاحصة على الخارطة الجغرافية، والبيئة الطبيعية، والبنية التحتية لهذه المحافظة العريقة، تؤكد أن كل المقومات والظروف متوافرة بنسبة كاملة، مما يجعل غياب رالي رسمي باسمها علامة استفهام تبحث عن إجابة، وفرصة استثمارية وسياحية كبرى ينتظر المجتمع المحلي والرياضي اقتناصها.
يمثل وادي الدواسر هبة جغرافية نادرة لعشاق سباقات الطرق الوعرة (Off-Road). تمتلك المحافظة تباينًا تضاريسياً مذهلاً يجمع بين الكثبان الرملية الشاهقة والخشنة، والأودية الفسيحة، والممرات الصخرية، والسهول المفتوحة. هذا التنوع ليس مجرد لوحة جمالية، بل هو «المختبر المثالي» الذي يبحث عنه منظمو الراليات العالميون لاختبار قدرات السائقين وقوة تحمل المركبات.
ولقد أثبتت المحافظة كفاءتها الطبوغرافية بالفعل عندما احتضنت مراحل رئيسة وصعبة من «رالي داكار السعودية» لعدة سنوات، حيث أشاد أبطال العالم بنوعية الرمال والتحديات الملاحية المعقدة التي واجهوها في صحراء الوادي. فإذا كانت المنطقة قادرة على استضافة أعلى مستويات المنافسة العالمية، فما الذي يمنع من أن يكون لها بطولة مستقلة تحمّل هويتها؟!
لا تتوقف مؤهلات وادي الدواسر عند حدود الطبيعة؛ بل تدعمها بنية تحتية قوية قادرة على استيعاب الفرق الرياضية والكوادر الفنية والجماهير ووسائل الإعلام المحلية والدولية.
فمحافظة وادي الدواسر ترتبط بشبكة طرق برية سريعة وحيوية تربطها بالعاصمة الرياض وبالمناطق الجنوبية والغربية، مما يسهل نقل المعدات والسيارات وسيارات الصيانة، كما يمثل «مطار وادي الدواسر» شرياناً لوجستياً حاسماً، يتيح وصول الوفود الرياضية والسياح بسرعة وسهولة. كما أن المحافظة تضم مستشفيات عامة ومتخصصة ومراكز إسعافية متطورة، وهي ركيزة أساسية لتأمين سلامة المتسابقين التي تعد الأولوية الأولى في رياضة المحركات، بالإضافة إلى توفر خيارات الإيواء والفنادق والخدمات التموينية الضخمة.
إن إطلاق «رالي وادي الدواسر» لن يكون مجرد حدث رياضي ينتهي بانتهاء السباق، بل هو محرك اقتصادي تنموي شامل للمحافظة.
سيسهم الرالي في تسليط الضوء على المواقع الأثرية والتاريخية في الوادي، مثل «قرية الفاو» الأثرية القريبة، مما يدمج الرياضة بالثقافة والتراث. كما سيستفيد قطاع الضيافة والمطاعم وورش صيانة السيارات ومحطات الوقود، والأسر المنتجة بشكل مباشر من القوة الشرائية المصاحبة للحدث. كما يوفر التنظيم مئات الفرص الوظيفية المؤقتة والدائمة للشباب والشابات من أبناء وبنات المحافظة في مجالات التنظيم مثل التسويق والإمداد والإعلام.
يرتبط اسم وادي الدواسر في الوجدان العربي بالأصالة والشهامة والارتباط الوثيق بالصحراء. هذا الإرث الثقافي يمنح الرالي المقترح «هوية بصرية وقصصية» جاذبة للرعاة والقنوات التلفزيونية. إن دمج ثقافة الصحراء العريقة، مثل استعراض الإبل وهوايات الصيد بالصقور، كفعاليات مصاحبة للرالي، سيجعل منه مهرجاناً تراثياً رياضياً متكاملاً يجذب العائلات والسياح من مختلف مناطق المملكة ودول الخليج.
بناءً على ما تقدم، يتضح جلياً أن وادي الدواسر لا ينقصه أي من المقومات الأساسية لإطلاق رالي يحمل اسمه؛ فالأرض جاهزة، والبنية التحتية مهيأة، والشغف الجماهيري متقد، والتوجه الحكومي الداعم للرياضة في أوج عطائه.
إن خطوة إدراج «رالي وادي الدواسر» ضمن الأجندة السنوية للاتحاد السعودي للسيارات والدراجات النارية ستكون إضافة نوعية لرياضة المحركات السعودية، وتأكيداً على تنوع الخيارات السياحية في المملكة. إنها دعوة نضعها أمام وزارة الرياضة، والاتحاد السعودي للسيارات، والقطاع الخاص، للاستثمار في هذا الميدان الواعد وتحويل الحلم إلى واقع يضع وادي الدواسر في مكانه الطبيعي كعاصمة جديدة من عواصم التحدي والإثارة الصحراوية.