د. سطام بن عبدالله آل سعد
قدمت قناة الكأس القطرية في كأس الخليج تجربة تستحق التوقف عندها، إذ تعاملت مع البطولة بوصفها حدثًا خليجيًا يجمع الرياضة بالناس والثقافة والمكان، ويمنح المشاهد تجربة تتجاوز نتيجة المباراة.
جزء مهم من نجاح التجربة جاء من طريقة إدارة الحوار، عبر نقاش يحمل المعلومة والروح الخليجية، ويبتعد عن الصدام المفتعل والاحتقان الجماهيري، ويتجه إلى مساحة اجتماعية ورياضية أوسع تُظهر البطولة بوصفها حدثًا يجمع الناس، لا مجرد منافسة داخل الملعب.
أمّا الأجمل، فكان خارج الإستوديو؛ حين دخلت كاميرا الكأس جدة التاريخية، واقتربت من الناس، ونقلت الأكلات والفنون والعادات، وتجولت في الكورنيش ومواقع مختلفة من المدينة. ومن خلال هذه الجولات، تعرّف جمهور واسع إلى جدة وتحولاتها السياحية بصورة طبيعية وجذابة.
وهنا تظهر قيمة ذكية في صناعة المحتوى؛ فالترويج للمدينة لا يحتاج دائمًا إلى برنامج سياحي مباشر. فحين يأتي المكان داخل قصة يتابعها الناس أصلًا، يصبح أكثر حضورًا وتأثيرًا. وهذا ما فعلته الكأس حين جعلت جدة جزءًا من تغطية البطولة نفسها.
في المقابل، ظهرت معظم الإستوديوهات الرياضية الخارجية للبرامج السعودية في خليجي 27 بصورة لا توازي قيمة الحدث، سواء في تواضع التصميم، أو ضعف في العناصر البصرية وتناسق الألوان، أو محدودية الفكرة، وصولًا إلى محتوى تقليدي يفتقد الحيوية والابتكار.
وهذا يطرح الحاجة إلى معايير مهنية أوضح للإستوديوهات الخارجية التابعة لبرامجنا وقنواتنا، سواء في الشكل أو المحتوى أو جودة الظهور. ويمكن لهيئة تنظيم الإعلام أن يكون لها دور في رفع مستوى هذه التغطيات، خاصة في البطولات التي يتابعها جمهور خليجي وعربي وعالمي واسع.
ومع اقتراب كأس آسيا 2027، كانت كأس الخليج فرصة مناسبة لقنواتنا لتجربة نموذج سعودي مختلف، يجمع التحليل الفني بالثقافة والسياحة والتراث، ويتحرك بين الملعب والمدينة والجمهور، بوصفه إعدادًا عمليًا مبكرًا لبطولة قارية ستضع الإعلام السعودي أمام جمهور أوسع، ولكن هذه الفرصة مرت من دون استثمار حقيقي، واستمرت معظم التغطيات بالأسلوب نفسه والمحتوى نفسه.
الدرس من تجربة قناة الكأس لا يتعلق بتقليد برنامج ناجح، وإنما بفهم طبيعة الإعلام الرياضي الحديث؛ لأن البطولات اليوم مساحة لتقديم المباراة والمدينة والمجتمع في صورة واحدة، ومن يفهم هذه المعادلة يصنع تغطية تبقى في ذاكرة المشاهد بعد نهاية البطولة.