د. الجوهرة بنت فهد الزامل
أصبح التسارع يختصر المسافات ويضغط في الوقت نفسه العمر الاجتماعي للخبرة. المشكلة اليوم أن الخبرة تفقد قدرتها على التراكم قبل أن تنضج، رغم اتساع المعرفة. نحن نشتري السرعة بثمن أقل ظهوراً، تآكل القدرة على تحويل التجارب إلى حكمة ممتدة. وهذه هي المقايضة الخاسرة؛ أن يزداد إيقاع الحياة، بينما يتقلص الزمن الذي تحتاج إليه الخبرة كي تصبح جزءاً من الذاكرة الاجتماعية.
طوال مسيرة البشرية، شكّل التراكم المعرفي بين الأجيال أحد أعمدة التقدم؛ جيل يقف على أكتاف جيل، فيبني أفقاً أوسع مما سبقه. ولم ينشأ هذا التراكم من كثرة المعلومات وحدها؛ فقد احتاج إلى زمن يسمح بالتجربة والخطأ والمراجعة، وإلى بقاء المعرفة حاضرة بما يكفي كي تختبرها أجيال لاحقة وتضيف إليها أو تنقضها. كانت الخبرة تحتاج إلى وقت كي تنتقل من كونها حادثة عابرة إلى معرفة قابلة للنقل، ثم إلى قاعدة يمكن البناء عليها. وكانت مسؤولية نقلها تقع في الغالب على من راكمها، الجيل الأقدم أو من أمضى زمناً أطول في الممارسة، بينما كان الجيل الأحدث يتلقى هذه الخبرة ضمن توقع واضح بأن زمن التعلم جزء أصيل من مساره.
أما اليوم، فتغير الإيقاع البنيوي للحياة نفسها. أصبح الجديد يحل محل القديم بوتيرة متسارعة، من دون أن يضيف إليه بالضرورة. ومع قصر العمر العملي للأدوات والممارسات والمعارف، أصبح ما نتعلمه معرضاً للتجاوز قبل أن تتاح لنا فرصة اختبار حدوده. انتقل التسارع من كونه أداة لاختصار الوقت إلى كونه بنية تعيد تشكيل علاقة الإنسان بالزمن، وبما ينتجه هذا الزمن من معرفة وخبرة.
المفارقة أن المجتمعات كلما أصبحت أسرع في إنتاج المعرفة أصبحت أكثر حاجة إلى الزمن الذي يسمح بتحويل هذه المعرفة إلى خبرة. لكن هذا الزمن هو تحديداً ما يتعرض للضغط. فالمعلومة يمكن إنتاجها في لحظة، وتحديثها في لحظة أخرى، واستبدالها بعد ذلك بقليل، أما الخبرة فتتكون عبر احتكاك بالواقع، ونتائج تظهر متأخرة، وأخطاء لا يمكن اختصارها دون فقدان جزء من معناها.
وتظهر هذه الأزمة في التعليم والعمل والثقافة اليومية بوصفها مؤشرات على تحول أعمق في علاقة المجتمع بالمعرفة. فمع تسارع تغير الأدوات والمعلومات، تتقدم القدرة على مواكبة الجديد على القدرة على تعميق ما لا يفقد قيمته بسرعة. وفي التعليم قد يصبح تحديث المحتوى أكثر إلحاحاً من ترسيخ المهارات التي تسمح بالتعامل مع ما لم يظهر بعد. أما في الثقافة اليومية، فإن الملخصات والمقاطع القصيرة تمنح وصولاً متزايداً إلى المعرفة، لكنها تختصر الزمن الذي تحتاج إليه الأفكار كي تتحول من مادة عابرة إلى جزء من بنية التفكير. يتجاوز التحدي مجرد الوصول إلى المعرفة، إلى منحها الطبقة الزمنية التي تحولها إلى خبرة قابلة للتراكم.
ومع هذا التحول لم تتزامن إعادة توزيع المسؤوليات مع تغير الأدوار. من كان يُتوقع منه سابقاً أن يحفظ الخبرة وينقلها أصبح مطالباً بمواكبة الإيقاع الجديد، بينما أُلقي على الجيل الأحدث عبء التعلم السريع دون زمن كافٍ لتحويل ما يتعلمه إلى خبرة. بقيت التوقعات متداخلة: المؤسسة تنتظر من الجميع سرعة التكيف، والفرد ينتظر من المؤسسة أن تحتفظ بما يستحق البقاء. الفجوة بين تغير الأدوار وثبات بنية المسؤوليات تنتج التباساً بنيوياً في من يحمل عبء الحفاظ على الخبرة.
لكن الأثر لا يتوقف عند الفرد. ففي المؤسسات قد تتغير الأدوات والموظفون والإجراءات بوتيرة أسرع من قدرة المؤسسة على نقل خبرتها من جيل وظيفي إلى آخر. وقد تحتفظ بكم هائل من الوثائق والبيانات، لكنها تفقد شيئاً لا يسهل تخزينه، المعرفة الضمنية التي تتكون من الممارسة وفهم السياق ومعرفة ما الذي لم ينجح سابقاً ولماذا ينشأ عن ذلك شكل من النسيان البنيوي؛ قد تنسى المؤسسة رغم احتفاظها بمعلوماتها، عندما تفقد الأشخاص والزمن اللازمين لتحويل تلك المعلومات إلى ذاكرة حية. وما يحدث داخل المؤسسة صورة مصغرة لمشكلة أوسع حين تنقطع الخبرة عن طبقتها الزمنية، يصبح كل تحول مضطراً إلى إعادة التعلم من الصفر، حتى لو كانت شروط التجربة قد تكررت من قبل.
يتجاوز أثر التسارع تقصير عمر الأدوات والمعارف إلى إعادة تشكيل شروط إمكان التراكم نفسها. فالتراكم المعرفي يقوم على طبقات زمنية متداخلة من التجربة والمراجعة، بينما تواجه هذه الطبقات إيقاعاً يقطعها قبل أن تكتمل. والنتيجة معرفة أسرع، وذاكرة اجتماعية أقل قدرة على الاحتفاظ بما يستحق أن يبقى.
ويبرز التمييز بين تراكم المعرفة وتراكم الخبرة. فالمعرفة يمكن تخزينها واسترجاعها ونقلها بسرعة متزايدة، أما الخبرة فتحتاج إلى زمن كي تختبر المعرفة في الواقع، وتكشف حدودها، وتربطها بالسياق والنتائج والعواقب. وقد يصبح المجتمع أكثر معرفة من أي وقت مضى، وفي الوقت نفسه أقل خبرة؛ لأن ما يتراكم في ذاكرته المعلوماتية لا يتحول بالضرورة إلى حكم متراكم.
وما نشهده اليوم من أنظمة قادرة على توليد معرفة علمية متكاملة من صياغة الفرضية إلى كتابة الورقة المحكمة، بسرعة تتجاوز قدرة أي جيل بشري على هضمها واختبارها وتوريثها، ليس سوى تجسيد حي لهذه المقايضة. معرفة تتضاعف بوتيرة لم يعد معها الزمن الاجتماعي كافياً لتحويلها إلى خبرة جماعية.
فالخبرة تمنحنا معرفة ما حدث، وتضيف إليها القدرة على تقدير ما قد يحدث عندما تتكرر الشروط نفسها. إنها تضيف إلى المعرفة بعداً زمنياً لا توفره البيانات وحدها: ماذا حدث من قبل؟ ماذا تجاهلناه؟ ما الذي بدا صحيحاً في البداية ثم ظهرت حدوده لاحقاً؟ وحين ينقطع هذا المسار، يصبح المستقبل أكثر تعرضاً لإعادة إنتاج أخطاء سبق أن دفعت أجيال سابقة ثمنها؛ فالمشكلة تكمن في انفصال المعلومات عن ذاكرة حية قادرة على استدعائها في اللحظة المناسبة.
وتزداد المفارقة مع تحول الجديد نفسه إلى معيار دائم للتقدم. فحين يصبح كل ما يأتي لاحقاً أفضل بالضرورة مما سبقه، يتحول التجديد من عملية تراكمية إلى عملية إحلال. يتحول السؤال من ماذا نضيف إلى ما نعرفه، إلى ما الذي يمكن أن يحل محل ما نعرفه الآن؟ ومع كل دورة جديدة ينكمش العمر الاجتماعي للمعرفة السابقة، حتى قبل أن يتضح ما إذا كان الجديد قد أثبت تفوقه فعلاً.
وتظهر مشكلة تتجاوز مجرد سرعة التغيير: قصر العمر الاجتماعي للخبرة يجعل من الصعب التمييز بين التحول العميق والموجة العابرة. فالتحولات الكبرى تحتاج زمناً كي تظهر آثارها الحقيقية، بينما تستطيع الأنظمة السريعة إنتاج انطباع بالنجاح قبل اكتمال دورة النتائج. وإذا تغيرت الأدوات والممارسات قبل أن تتاح فرصة التقييم، فقد نفقد الزمن الذي يسمح بالحكم على التجربة وتحديد ما إذا كانت نتائجها قابلة للبناء عليها.
يتحول التسارع هنا من عامل يؤثر في الخبرة إلى عامل يعيد تعريف ما يستحق أن يُسمى خبرة. فإذا كانت التجربة لا تعيش طويلاً بما يكفي كي تُختبر نتائجها، فقد نراكم تجارب ومعلومات أكثر دون أن نصبح بالضرورة أكثر قدرة على التعلم منها. أن يمر الإنسان بتجارب كثيرة لا يعني بالضرورة تراكم خبرة كثيرة؛ فالخبرة لا تتكون من عدد التجارب وحده، بل من قدرتها على البقاء زمناً يسمح باختبار نتائجها ومراجعتها وربطها بما سيأتي بعدها.
حين تتغير الأدوات والممارسات قبل أن تكتمل دورة اختبارها، نخسر مع نتائج التجربة المرحلة التي تمنحها معناها المعرفي؛ اللحظة التي يمكن فيها فصل ما نجح عن ما بدا ناجحاً، وما يستحق التكرار عن ما ينبغي ألا يتكرر. وبذلك يصبح التسارع قادراً، من حيث لا يقصد، على تقليص المسافة بين وقوع التجربة والحكم عليها إلى حد لا يسمح للحكم نفسه بأن ينضج.
وقد تكمن المشكلة المستقبلية في صعوبة تكوّن الخبرة. قد يصبح المجتمع أكثر تعرضاً للتجارب، وأكثر قدرة على إنتاج البدائل، وأكثر سرعة في الانتقال بينها، مع تراجع قدرته على تحويل هذه الحركة المستمرة إلى معرفة متراكمة. وعندما يحدث ذلك، يتحول التحدي من إدارة كثرة التغيير إلى الحفاظ على قدرة المجتمع على معرفة أيّ من هذا التغيير أصبح درساً، وأيّه لم يتجاوز بعد مرحلة التجربة.
وتتغير دلالة الخبرة عند صناعة القرار. فالخبرة ما تعرفه المؤسسة عن ماضيها، وقدرتها على الاحتفاظ بالمسافة الزمنية التي تسمح لها بتمييز الدرس من الحدث، والقاعدة من المصادفة، والتحول الحقيقي من الموجة العابرة. وكلما تقلصت هذه المسافة، أصبح القرار أكثر اعتماداً على حاضر كثيف بالمعلومات وأقل اتصالاً بسلسلة النتائج التي أنتجت تلك المعلومات. وقد تبدو المؤسسة في هذه الحالة أكثر قدرة على الاستجابة، مع تراجع قدرتها على تفسير ما إذا كانت استجابتها تبني معرفة جديدة أم تعيد إنتاج تجربة سبق أن مرت بها.
الأخطر في التسارع أنه يجعل بعض التجارب أقصر من أن تصبح خبرة. فالزمن الذي يفصل بين التجربة ونتيجتها ليس فراغاً يمكن اختصاره دائماً، بل هو المساحة التي تتكون فيها القدرة على التمييز والحكم. وما لا يُمنح هذه المساحة قد يبقى معلومة موثّقة، لكنه لا يتحول بالضرورة إلى معرفة متراكمة.
ويتجاوز التقدم قدرة المجتمع على إنتاج الجديد إلى قدرته على تحويل ما ينتجه إلى معرفة بعد أن تكشف التجربة حدودها، وتثبت قيمتها، وتصبح قابلة لأن تُنقل ويُبنى عليها. فالتراكم لا يحدث عندما تتوالى التجارب فحسب، بل عندما يظل بينها من الزمن ما يسمح لإحداها بأن تصبح درساً قبل أن تحل محلها التجربة التالية.
ويصبح الزمن هنا مورداً اجتماعياً يحتاج إلى حماية. وتعني السيادة الزمنية قدرة المؤسسة والمجتمع على الاحتفاظ بالوقت اللازم للتعلم وبناء الذاكرة، حتى لا يفرض إيقاع التغيير وحده ما يبقى وما يُستبعد.
وعند هذه النقطة يصبح الزمن نفسه شرطاً من شروط تكوّن الخبرة، لا مجرد وعاء تمر فيه. التسارع لا يختصر المسافة بين التجربة والحكم عليها فحسب يعيد تعريف ما يُقبل خبر ة وما يُستبعد منها قبل أن يكتمل اختباره.
** **
- خبيرة في التخطيط والسياسات الاجتماعية