مرفت بخاري
هل فكّر الإنسان يومًا أن بعض ما يفعله بالآخرين قد يعود إليه، ليس بالضرورة بالصورة نفسها، ولا في الوقت الذي يتوقعه، لكن أثره لا يضيع؟
ليست كل مصيبة تصيب الإنسان عقوبة على ذنب، فذلك من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، وقد يُبتلى الصالح، وقد يُمهل الظالم، وقد تأتي العواقب بعد سنوات، لكن الله سبحانه وتعالى أخبرنا عن سنن لا تتبدل، فقال، {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ}.
وفي معنى الجزاء من جنس العمل، دروس كثيرة تستحق أن نتوقف عندها، فالعقوق ذنب عظيم، وإفساد العلاقات منكر حذّر منه النبي صلى الله عليه وسلم، والتخبيب من أخطر أبواب الفتنة، لأنه لا يفسد موقفًا عابرًا، بل قد يهدم بيتًا، ويفرق بين زوجين، ويزرع الشك في قلب لم يكن يعرف الشك.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من خبب امرأة على زوجها»، لأن من يتدخل بين اثنين ليُفسد علاقتهما لا يتعامل مع كلمات عابرة، وإنما يتعامل مع حياة كاملة، ومع قلوب وأسر وحقوق.
والفتنة في كثير من الأحيان لا تأتي بصورتها الصريحة، ولا تحمل لافتة تقول إنها فتنة، بل تأتي في هيئة نصيحة، أو خوف على صديق، أو حرص على قريب، وتبدأ بجملة تبدو بريئة، «أنا لا أريد أن أتدخل، ولكن...»، ثم يأتي الكلام، ويتبعه كلام آخر، حتى يجد الإنسان نفسه أمام صورة مختلفة تمامًا عن الشخص الذي كان يثق به.
وهنا تبدأ مسؤولية العقل، فليس كل من نقل الكلام ناصحًا، وليس كل من أكثر من الشكوى مظلومًا، وليس كل من ظهر في ثوب الضحية بعيدًا عن صناعة المشكلة.
هناك من يعيش حياته متنقلًا بين الخصومات، يشتكي من هذا، ويحذر من ذاك، وينقل لكل طرف ما قيل عنه، ويعرف أسرار الجميع، ثم يقف في النهاية بعيدًا عن المشهد وكأنه لم يكن طرفًا فيه.
ولا يعني ذلك أن كل كثير الشكوى صاحب فتنة، فقد يكون الإنسان مظلومًا ويحتاج إلى من يسمعه، لكن حين يصبح نقل الكلام نمطًا دائمًا، وحين تتكرر الخصومات مع الأشخاص أنفسهم ثم تتكرر القصة مع آخرين، وحين يكون الإنسان حاضرًا في تفاصيل النزاعات أكثر مما ينبغي، فهنا يجدر بنا أن نتوقف، لا لنتهمه، ولكن لنحمي أنفسنا من أن نصبح جزءًا من دائرة لا نعرف أين تنتهي.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، «كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع».
فكم من علاقة تهدمت لأن شخصًا نقل كلامًا لم يكن ينبغي أن ينقل، وكم من صداقة انتهت بسبب جملة أُخرجت من سياقها، وكم من رحم تقطعت لأن أحدهم قرر أن يكون رسولًا بين القلوب، يحمل من هذا إلى ذاك، ثم يتعجب بعد ذلك من حجم الخراب الذي تركه خلفه.
ومن هنا، يصبح اعتزال مجالس الفتنة نوعًا من الحكمة، وليس قسوة.
ليس مطلوبًا منك أن تدخل كل معركة، ولا أن تفسر كل موقف، ولا أن تعرف كل ما قيل عنك أو عن غيرك، وليس من الحكمة أن تجلس في مجلس يكون حديثه الدائم عن الناس، وأسرارهم، وعيوبهم، وخلافاتهم، ثم تخرج منه وأنت تظن أنك لم تشارك في شيء.
فالسكوت في بعض المجالس ليس حيادًا، بل نجاة.
وقد قال الله سبحانه وتعالى: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا}، وقال: {فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}.
والاعتزال هنا لا يعني القطيعة، ولا يعني الانتقام، ولا يعني أن نرد الإساءة بالإساءة، وإنما يعني أن تعرف أين تضع قدمك، ومتى تصمت، ومتى تغادر، ومتى تقول، «هذا الكلام لا يعنيني».
قد تبقى محترمًا، تؤدي الحقوق، تصل الرحم، ترد السلام، وتحفظ العِشرة، لكنك في الوقت نفسه لا تمنح نفسك دورًا في مؤامرة، ولا تحمل سرًا من مجلس إلى مجلس، ولا تسمح لأحد أن يستخدم محبتك له وسيلة لإيذاء الآخرين.
فالإنسان لا يتحول إلى شريك في الفتنة دفعة واحدة، وإنما يبدأ الأمر بكلمة، ثم بمعلومة، ثم بسر، ثم بموقف، ثم يجد نفسه بعد فترة وقد أصبح جزءًا من دائرة كان يظن أنه يجلس خارجها.
والأخطر من صانع الفتنة، أحيانًا، هو من يعرف أنه أمام فتنة ثم يقرر أن يبقى، لأنه مستمتع بالدور، أو مستفيد من الصراع، أو غير قادر على مقاومة إغراء معرفة أسرار الآخرين.
وهنا ينبغي أن نتذكر أن الإنسان لا يملك أن يحدد متى وكيف يأتي الجزاء، ولا أن يفسر كل حادثة على أنها عقوبة، لكن عليه أن يثق بأن الظلم ليس أمرًا هينًا، وأن المكر ليس طريقًا مأمونًا، وأن آثار ما نفعله بالناس لا تختفي لمجرد أننا نجحنا في إخفائها عن أعينهم.
{وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ}.
فلا تكن عاقًا، ولا مخببًا، ولا ناقلًا للفتنة، ولا أداة في يد من يصنعها، ولا تجعل لسانك جسرًا يعبر عليه الأذى من قلب إلى قلب.
وإذا اكتشفت أن علاقة ما أصبحت قائمة على النميمة، والتحريض، ونقل الكلام، وصناعة الخصومات، فلا تخجل من الابتعاد، فبعض العلاقات لا تحتاج إلى مواجهة طويلة، وإنما تحتاج إلى حدود هادئة.
راقب الأفعال، ولا تكتفِ بالروايات، فالإنسان قد يجيد رواية مظلوميته، لكن الأيام تكشف الأنماط، وتكشف من أين تبدأ الخصومات، ومن الذي ينقل الكلام، ومن الذي يخرج من كل خلاف وكأنه بريء تمامًا، بينما يترك وراءه علاقة مكسورة وقلبًا مثقلًا.
ليس كل ابتعاد خسارة، فبعض الأبواب حين تغلقها لا تكون قد أغلقتها في وجه إنسان، بل أغلقتها في وجه الفتنة.
وبعض المجالس حين تغادرها لا تكون قد خسرت أصحابها، بل ربحت نفسك.
وبعض العلاقات حين تضع لها حدودًا لا تكون قد خنت العِشرة، بل حفظت ما تبقى من الود من أن يتحول إلى أذى.
وفي النهاية، نحن لا نملك أن نوزع العقوبات على الناس، ولا أن نفسر ابتلاءاتهم، ولا أن نقول عن كل من أصابته مصيبة إنما أصابته بسبب فعل فعله، فهذا حكم لا نملكه.
لكننا نملك أن نتعلم.
أن نزن كلماتنا قبل أن نطلقها، وأن نحفظ الأسرار، وأن نرفض نقل الكلام، وأن نغادر مجالس الفتن، وأن نعرف أن الإنسان قد ينجو من خصومة بالصمت، وقد يحفظ كرامته بالابتعاد، وقد يحمي قلبه بألا يسمح لأحد أن يجعله طرفًا في معركة لم يخترها.
فازرع خيرًا ما استطعت، واترك الشر لأهله، لأن من يجعل المكر طريقه، لا يضمن أن يظل المكر بعيدًا عن طريقه.
فالجزاء من جنس العمل، وما يزرعه الإنسان في حياة الآخرين، قد يجد أثره يومًا في حياته.