أنس تشكالا
كم مرة قلنا لأنفسنا: غدًا سأبدأ؟ غدًا سأرتاح، غدًا سأقرأ، غدًا سأزور من أحب، غدًا سأهتم بصحتي، غدًا سأفعل ما أريد، وغدًا، حين تنتهي هذه المرحلة، سأعيش كما ينبغي. ثم يأتي الغد، فيتحول إلى يوم آخر، ونؤجل مرة أخرى إلى غد جديد. وهكذا تمر الأيام بهدوء، لا لأننا لم نعشها، بل لأننا كنا نعيشها دائمًا بوصفها مقدمة لحياة لم تبدأ بعد.
نحن بارعون في بناء المواعيد المؤجلة، نضع لأنفسنا شروطًا كثيرة قبل أن نسمح لها بأن تشعر بالحياة: حين أتخرج، حين أحصل على الوظيفة، حين أستقر ماديًا، حين أتزوج، حين أنتهي من هذا المشروع، حين أحقق هذا الهدف، حين تتغير ظروفي… عندها فقط سأمنح نفسي الوقت الذي أحتاجه. وكأن الحياة الحقيقية تقف خلف باب لا يُفتح إلا بعد أن ننجز قائمة طويلة من المهام.
ولا مشكلة في أن نخطط للمستقبل أو نسعى إلى الأفضل؛ فالإنسان يحتاج إلى هدف يوجه خطواته، وإلى حلم يدفعه إلى الأمام. المشكلة تبدأ عندما يصبح المستقبل شرطًا للسعادة، ويصبح الحاضر مجرد محطة عبور. عندها لا نعود نعيش من أجل أن نبني الغد، بل نهمل اليوم بالكامل بحجة أننا نبني غدًا أفضل.
قد ننشغل بجمع المال، ثم نكتشف أننا لم نمنح أنفسنا وقتًا للاستمتاع بما جمعناه. وقد ننشغل ببناء المستقبل المهني حتى تصبح السنوات التي كان ينبغي أن نعيش فيها مجرد سيرة ذاتية جميلة. وقد نؤجل لقاء الأصدقاء لأن لدينا ما هو أهم، ثم نكتشف بعد سنوات أن المسافات كبرت وأن بعض الوجوه التي اعتدنا حضورها أصبحت جزءًا من الذاكرة. وقد نؤجل الراحة حتى لا يبقى فينا ما يستريح.
الغريب أننا نتصرف أحيانًا وكأن الوقت مضمون، وكأن الأيام التي نؤجلها ستنتظرنا حتى نعود إليها. لكن الوقت لا يفعل ذلك. اليوم الذي يمر لا يعود بالصورة نفسها، واللحظة التي ضاعت في انتظار لحظة أفضل لا يمكن استعادتها بعد ذلك. نحن لا نفقد الساعات فقط؛ نفقد معها تفاصيل صغيرة كان يمكن أن تمنح حياتنا معنى لا ننتبه إليه إلا بعد فواتها.
ربما لهذا السبب لا تكون المشكلة دائمًا في قلة الوقت، بل في الطريقة التي ننظر بها إليه. فنحن نعامل بعض اللحظات وكأنها لا تستحق أن تُعاش لأنها عادية جدًا. ننتظر السفر كي نفرح، مع أن في مدينتنا مكانًا لم نزره بعد. ننتظر مناسبة كبيرة كي نجتمع بمن نحب، مع أن كوب قهوة بسيطًا قد يكون كافيًا لصناعة ذكرى جميلة. ننتظر الإنجاز الكبير كي نشعر بالفخر، وننسى أن الطريق نفسه مليء بخطوات صغيرة تستحق أن نلتفت إليها.
وفي المقابل، هناك من يظن أن العيش في الحاضر يعني التخلي عن المستقبل، فيندفع وراء اللحظة دون حساب، وكأن الغد لا وجود له. لكن بين تأجيل الحياة وإهدارها مساحة واسعة اسمها التوازن. أن نخطط للغد دون أن نحتقر اليوم، وأن ندخر دون أن نحرم أنفسنا من كل شيء، وأن نعمل بجد دون أن ننسى أن الإنسان ليس آلة إنتاج، وأن نسعى إلى أحلامنا دون أن نشترط تحقيقها حتى نشعر بأن لحياتنا قيمة.
الحياة ليست فقط تلك اللحظة التي نصل فيها إلى ما نريد؛ الحياة أيضًا هي الطريق الذي نسلكه للوصول إليه. ولو كان الوصول وحده هو المعنى، لكان كل ما قبله مجرد وقت ضائع. لكننا نعرف، حين نتأمل تجاربنا، أن أجمل ما نتذكره ليس دائمًا النتيجة النهائية، بل الأشخاص الذين رافقونا، والمواقف التي غيّرتنا، والحوارات التي بقيت في ذاكرتنا، والأيام البسيطة التي لم نكن نعرف حينها أنها ستصبح يومًا ذكريات عزيزة.
ولعل أكثر ما يستحق المراجعة هو تلك الجملة التي نكررها دون أن نشعر: «عندما تنتهي هذه الفترة سأعيش». ماذا لو كانت هذه الفترة نفسها جزءًا من الحياة التي نبحث عنها؟ ماذا لو لم تكن السنوات الحالية مجرد انتظار، بل سنوات كاملة من أعمارنا لن تتكرر؟ ماذا لو كان ما نراه الآن تعبًا مؤقتًا يحمل في داخله أشياء لن نفهم قيمتها إلا بعد سنوات؟ليس المطلوب أن نتوقف عن الطموح، ولا أن نرضى بما لا نريده، ولا أن نتخلى عن أحلامنا بحجة الاستمتاع بالحاضر. المطلوب فقط ألا نضع حياتنا كلها في المستقبل. أن نترك في يومنا مساحة لإنسانيتنا: لحديث صادق، وكتاب نقرأه، ومشية هادئة، ولقاء بمن نحب، وابتسامة بلا مناسبة، ووقت نصمت فيه قليلًا ونستعيد أنفسنا من ضجيج العالم. فربما لا نحتاج دائمًا إلى تغيير حياتنا كي نشعر بأننا نعيش؛ ربما نحتاج فقط إلى أن ننتبه إليها.
غدًا قد نكون أفضل، وقد نصل إلى ما نطمح إليه، وقد تتغير أشياء كثيرة. لكن الغد، حين يأتي، لن يكون إلا «اليوم» من جديد. وسنجد أنفسنا أمام السؤال نفسه: هل سنعيش الآن، أم سنؤجل الحياة مرة أخرى إلى غد آخر؟ لذلك، ليس خطأ أن نقول: غدًا سأحقق حلمي. لكن ربما علينا أن نتوقف قليلًا عن قول: غدًا سأعيش. فالحياة لا تنتظر اكتمال ظروفها كي تبدأ؛ إنها تحدث الآن، في هذه اللحظة التي نمر بها، ونحن منشغلون في انتظار لحظة أخرى.