د.عبدالرحمن الحبيب
لم يعد الخطر مجرد فرضية؛ ففي سابقة عالمية، أعلنت أستراليا عن اختراق قاعدة بياناتها الصحية نفذه نظام ذكاء اصطناعي يعمل بشكل مستقل دون تدخل بشري، بل وقام بإنشاء ملفات داخلها. وتُعد هذه الحادثة أحدث مثال على خروج نماذج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، متجاوزةً آليات الرقابة البشرية.
المتحدث باسم OpenAI الشركة المطورة للنموذج، صرح بأن الحادثة وقعت في يونيو، لكن الشركة لم تكتشفها إلا في أغسطس أثناء إجرائها فحوصات شاملة، ثم أبلغت الحكومة الأسترالية لاحقاً في 10 سبتمبر.
«لقد وقع الانقلاب التكنولوجي أمام أعيننا، وحان الوقت لاتخاذ إجراءات ملموسة» كما صرحت ماريا ريسا، الحائزة على جائزة نوبل للسلام والرئيسة المشاركة للجنة العلمية للأمم المتحدة المعنية بالذكاء الاصطناعي.
ويواصل الخبراء التحذير من أن التطوير غير المنضبط لأنظمة الذكاء الاصطناعي وإطلاقها دون سيطرة البشر قد يؤدي إلى فناء البشرية في غضون سنوات قليلة.
كيف يمكن إدارة هذه المخاطر؟ يبدو الحل النظري بسيطاً للغاية، طرحه كثيرون، وهي: ضرورة اتفاق القوتين العظميين في هذا المجال (الولايات المتحدة والصين) على وضع معايير دولية صارمة لتنظيمها، وإبطاء وتيرة سباق التطوير التكنولوجي. وهذا يذكرنا بالاتفاقات التي أبرمت بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي سابقاً للحد من سباق التسلح النووي.
غير أن التحدي يكمن في خشية كل من أمريكا والصين من أن يؤدي إبطاء وتيرة التطوير إلى منح الطرف الآخر الأفضلية في السباق. وفي هذا السياق، يذكر ألوك ميهتا، مدير مركز الذكاء الاصطناعي بمركز الدراسات الدولية والاستراتيجية بواشنطن، أن الولايات المتحدة لا تزال متفوقة على الصين في مجال تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو وضع يحرص ترامب على الحفاظ عليه.
الذكاء الاصطناعي كان أحد أهم القضايا التي شهدتها أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال الأيام الأخيرة الماضية؛ وكان من ضمن المتحدثين أمام الجمعية العامة سام ألتمان (الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI) وداريو أمودي (الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic) وهما من أبرز الشخصيات في هذا المجال، وأعربا عن قلقهما إزاء السرعة الفائقة للتقدم التكنولوجي، مع الدعوة لتعزيز التنسيق العالمي ووضع معايير دولية لتطوير الذكاء الاصطناعي تهدف إلى «قياس القدرات، وتقييم المخاطر، وتحديد مدى كفاية تدابير الحماية، والحفاظ على رقابة بشرية فعالة».
وتزامناً مع اجتماعات الأمم المتحدة، عقدت قمة بين الرئيس الأمريكي ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ بواشنطن أثمرت عن تفاهمات للحد من مخاطر الذكاء الاصطناعي، إلا أن الأمر اقتصر على تطورات محدودة، مثل إنشاء حوار ثنائي لتبادل وجهات النظر حول المخاطر والمنافع، مع توقع عقد المنتدى الأول له في الصين خلال نوفمبر (وكالة أنباء الصين، شينخوا).
والأهم أنهما اتفقا على إنشاء «قناة اتصال» لمناقشة أي حوادث تتعلق بالذكاء الاصطناعي، في خطوة تُعيد إلى الأذهان «الهاتف الأحمر» الذي ربط بين موسكو وواشنطن إبان الحرب الباردة لتجنب المواجهة النووية.
في تلك الأثناء، وإزاء صعوبة توصل القوتين العظميين في اتخاذ إجراءات فعَّالة، برزت مجموعة جديدة بالأمم المتحدة فيما صار يعرف بـ»القوى المتوسطة»، حيث دعت فنلندا والنرويج لتأسيس هيئة دولية للإشراف على سلامة نماذج الذكاء الاصطناعي، حسب ستيف بلومفيلد (صحيفة الجاردين). ورأى الكاتب في ذلك تحدياً مباشراً لترامب؛ ومع ذلك، انضم 27 زعيماً عالمياً إلى هذه المبادرة، بمن فيهم الرئيس الفرنسي والكندي والألماني ورئيس الوزراء الأسترالي.
في كل الأحوال، ورغم التنافس المتزايد بين البلدين، تبقى الآمال معقودة على ما ظهر مؤخراً من سبل التعاون التي بحثها الزعيمان الأمريكي والصيني، فأي اتفاق بينهما يكتسب أهمية بالغة، حتى لو بدا متواضعاً في بدايته.