م. بدر بن ناصر الحمدان
هناك مفهوم ياباني شائع يُعنى بملامسة الواقع ويُعرف بقانون (جيمبا)، وتعني حرفياً المكان الحقيقي أو أرض الواقع، مضمونه: «اذهب وانظر بنفسك»، عادة ما تستخدمه الشركات الكبرى في إدارة العمل لضمان التحقق الفعلي من بيئة العمل وخط الإنتاج دون الاعتماد على فقط على المشاهدات الشخصية، أو التقارير أو الدراسات أو المؤشرات التي قد لا تعكس ما يحدث فعلاً على الأرض.
شخصياً لدي إيمان كبير جداً وثقة عالية بممارسة مديري ومسيري المدن لهذا المفهوم وإلمامهم بتفاصيل النطاقات المكانية التي يشرفون عليها ومتأكد تماماً من وقوفهم على مسافة قصيرة من كل ما قد يمنحهم القدرة على صناعة واتخاذ القرار في إدارة المكان وتشغيله وتطويره، الواقع يبرهن على ذلك.
لكن الأمر هنا يتعلق بأولئك المنظرين –من المتخصصين– في الشأن العمراني تحديداً، خاصة من يمارس التنظير المنفصل عن النسخة الواقعية لمدن مبنية، تعج بالناس، والأحداث، والأنشطة، ملتزمة بالخدمة اليومية، والصيانة الدورية، ومنشغلة بالإيفاء باحتياجات السكان وتلبية مطالبهم ومعالجة مشاكلهم وإنجاز معاملاتهم وتيسير مواضيعهم، محتكمة في عملها وإجراءاتها وقراراتها لأنظمة وتشريعات واشتراطات تنظيمية، وتعتمد على حوكمة منظمة للإدارة المحلية ووفق ميزانيات ومشاريع محددة، وإدارتها تتواجد في الخط الأول في مواجهة التحديات، هناك فرق كبير بين أن توجه رأياً ونقداً مباشراً في وسائل الإعلام لعمل قائم تحكمه ظروفه وتؤثر فيه عوامل إدارية وفنية ومالية، وبين أن تناقشه في مقهى أو قاعة محاضرات أو ردهة خلفية في مركز أبحاث.
أنا هنا لا أتحدث هنا عن المشاركة العامة الهادفة عبر الآراء القيّمة والمتوازنة والمبدعة والمبتكرة والمساندة لإدارة المدينة والمستندة على تحليل علمي وخبرات وتجارب ميدانية لها وزنها، بل عن آراء سطحية تفتقد للموضوعية، وعن نقد غير عادل، وتداول مُفرّغ من المنهجية دون نموذج عملي وأدوات صناعة قرار فاعلة.
المشهد على أرض الميدان وفي أروقة العمل مختلف تماماً عما يشاهده هؤلاء المتكئون على أرائكهم وينظرون من ربع نافذة، ويمارسون تسويق ذواتهم من خلال النقد والتنظير المفرط غير المستند على معلومات وتحليل فعلي للوضع الراهن ولا على دراية أو تثبت أو فهم للنظام وبيئة الحوكمة داخل مدن مبنية ومعقدة وحيّة لا تلتقط أنفاسها في خضم رحلة مستمرة للوصول الى النسخة المثالية من المدن التي يحلم بها سكانها.
أتمنى أن تُتيح إدارات ومسيري المدن الفرصة للآخرين –مثل هؤلاء المنظرين- للتواجد داخل غرف القيادة والتحكم، لتجربة كيف تُدار المدينة ولو ليوم واحد، من مبدأ «اذهب وانظر بنفسك».