د. عيسى محمد العميري
لم تعد قصة المرأة السعودية في سوق العمل مجرد قصة ارتفاع في أعداد الموظفات أو اتساع مجالات التوظيف، بل أصبحت واحدة من أبرز التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها المملكة خلال السنوات الأخيرة، فقد انتقلت المرأة السعودية، بدعم من برامج رؤية السعودية 2030، إلى مساحات أوسع من المشاركة الاقتصادية والإدارية والدبلوماسية، وأصبحت حاضرة في مواقع كانت لفترة قريبة حكراً على نطاق محدود من الوظائف والمجالات. وتكشف المؤشرات الرسمية حجم هذا التحول؛ فقد ارتفعت مشاركة السعوديات في قوة العمل إلى 36.3% خلال الربع الأول من عام 2025، مقابل مستويات أقل بكثير قبل إطلاق رؤية 2030. كما تراجعت نسبة البطالة بين السعوديات إلى 10.5% في الفترة نفسها، ويعكس ذلك اتساع قاعدة النساء المشاركات في النشاط الاقتصادي، وتنوع الفرص المتاحة أمامهن في القطاعين الحكومي والخاص، إلى جانب تنامي حضورهن في مجالات الأعمال وريادة المشاريع. ولا تقف المكاسب عند حدود التوظيف؛ فالحضور النسائي امتد بصورة واضحة إلى المناصب الإدارية والقيادية. ووفق تقرير برنامج التحول الوطني، ارتفعت نسبة النساء في المناصب الإدارية من 26% عام 2018 إلى 44.1% عام 2024، بالتزامن مع نمو أعداد المستفيدات من برامج التدريب والتأهيل ودعم النقل ورعاية الأطفال، كما شهدت السجلات التجارية المملوكة للنساء نمواً لافتاً خلال الفترة نفسها. وفي المشهد الدبلوماسي، أخذت المرأة السعودية موقعاً أكثر وضوحاً في تمثيل المملكة خارجياً، فقد أكدت وزارة الخارجية السعودية أن المرأة السعودية أصبحت سفيرة، وقيادية في منظمات وهيئات دولية، ومفاوضة في المجال الدولي، وعضواً في الوفود الرسمية، ومديرة لملفات سياسية ودولية مهمة، وهذه المشاركة لا تعكس مجرد زيادة عددية، وإنما توسعاً في طبيعة المسؤوليات التي تضطلع بها المرأة السعودية في السياسة الخارجية والعمل الدولي. ومن جانب آخر وعلى المستوى الاجتماعي، فقد ساهم هذا التحول في إعادة تشكيل الصورة التقليدية لدور المرأة داخل المجتمع، فالمرأة العاملة اليوم تجمع بين التعليم والعمل والإدارة وريادة الأعمال والمشاركة المجتمعية، بينما أصبحت الأسرة السعودية أكثر تعاطياً مع فكرة مشاركة المرأة في سوق العمل ومواقع المسؤولية، كما ساعدت برامج مثل «وصول» للنقل و«قرة» لدعم رعاية الأطفال في معالجة بعض العوائق العملية أمام استمرار المرأة في العملوتبرز كذلك قصة المرأة السعودية في قطاعات جديدة ومتنوعة، من التقنية والاقتصاد والطاقة والسياحة إلى الإعلام والثقافة والرياضة وريادة الأعمال. وتنسجم هذه التحولات مع توجه رؤية 2030 نحو زيادة مشاركة المرأة في سوق العمل، باعتبارها جزءاً من بناء اقتصاد أكثر تنوعاً والاستفادة من الطاقات البشرية الوطنية، وهكذا أصبحت تجربة المرأة السعودية إحدى القصص البارزة في التحول الذي تشهده المملكة؛ قصة بدأت بفتح الأبواب أمام المشاركة، ثم انتقلت إلى التأهيل والإنجاز وتولي المسؤولية وصناعة القرار. ومع استمرار هذا المسار، تبدو المرأة السعودية شريكاً أساسياً في التنمية الوطنية، وعنصراً فاعلاً في رسم ملامح مستقبل المملكة الاقتصادي والاجتماعي والدبلوماسي. والله الموفق.
** **
- كاتب كويتي