تابعت خلال الأيام الماضية قرارات مجلس الشورى ومناقشاته للتقارير السنوية لعدد من الجامعات السعودية، ولم أكتفِ بما صدر هذا العام، بل عدت إلى ما صدر بشأن عدد من الجامعات نفسها في أعوام سابقة؛ محاولًا أن أفهم كيف تتغير الملاحظات من عام إلى آخر، وما الذي يتكرر منها، وما الذي يختفي، وإلى أين يتحرك اهتمام المجلس مع تعاقب السنوات.
وجدت قرارات تطالب برفع كفاءة منظومات القياس والتقويم، وأخرى بقياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي للإنفاق، وثالثة برفع كفاءة البحث العلمي أو تنمية الموارد الذاتية، وغيرها بمعالجة أوضاع أكاديمية، وتحسين الإرشاد والخدمات الطلابية، وتطوير الموارد البشرية، وقياس أثر البحث والابتكار وبراءات الاختراع. وهي في مجموعها تعكس جهدًا رقابيًا مهمًا، لكنها تكشف أيضًا عن تحول يستحق التوقف عنده: من سؤال ماذا فعلت الجامعة؟ إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا تحقق مما فعلته الجامعة؟
ومن هنا بدأ السؤال الذي قادني إلى هذا المقال: هل التقرير السنوي، مهما كان شاملًا ودقيقًا، يكفي فعلًا لتقويم أداء جامعة كاملة؟
التقرير السنوي مهم ولا يمكن الاستغناء عنه. فهو يوثق ما قامت به الجامعة، ويعرض أرقامها وبرامجها ومبادراتها ومؤشراتها وتحدياتها. لكن تبقى حقيقة بسيطة: الجامعة، في نهاية الأمر، هي التي تكتب تقريرها عن نفسها؛ تجمع البيانات، وتشرح النتائج، وتعرض الإنجازات والتحديات. وهذا لا يعني التشكيك في صحة التقارير أو في الجامعات، وإنما يعني أن التقرير يقدم بطبيعته صورة المؤسسة عن أدائها، بينما التقويم المؤسسي يحتاج إلى أكثر من ذلك: التحقق، والمقارنة، وقياس الأثر، ثم المساءلة.
فلو قالت جامعة إنها نشرت ثلاثة آلاف بحث علمي، فإن الرقم وحده لا يخبرنا بما نحتاج إلى معرفته. ما نوعية هذه الأبحاث؟ وما أثرها العلمي والتنموي؟ وما حجم الإنفاق عليها؟ وكم منها تحول إلى براءة اختراع، أو ترخيص، أو منتج، أو شركة ناشئة، أو حل لمشكلة وطنية؟ وإذا قالت جامعة إنها أطلقت عشرات المبادرات، فالقضية ليست عددها، وإنما الإجابة عن السؤال الأبسط والأصعب معًا: ماذا تغير بسببها؟
واللافت أن قرارات للمجلس تتجه هي نفسها إلى هذا النوع من الأسئلة؛ من قياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي للإنفاق، إلى الأثر الفعلي للبحث العلمي وبراءات الاختراع، وكفاءة منظومات القياس والتقويم، وجودة المخرجات. وإذا كنا نطالب الجامعة بأن تنتقل من عدّ الأنشطة إلى قياس الأثر، فمن الطبيعي أن تتطور مناقشة تقريرها السنوي هي الأخرى من قراءة ما أُنجز إلى مساءلة ما تحقق.
وحين قارنت ما صدر بشأن عدد من الجامعات عبر أكثر من سنة، ظهر سؤال آخر: إذا طالب المجلس جامعة في سنة ما بتطوير جانب معين من أدائها، ثم انتقل القرار في السنة التالية إلى قضية أخرى، وفي الثالثة إلى قضية ثالثة، فماذا حدث للملاحظة الأولى؟ هل نُفذت؟ هل تحسن المؤشر الذي بُنيت عليه؟ هل انتهت المشكلة؟ وإذا لم تعد تظهر في القرارات اللاحقة، فهل يعني ذلك أنها عولجت، أم أن أولويات التقرير الجديد دفعت بقضايا أخرى إلى الواجهة؟
والإنصاف هنا مهم؛ لأن قواعد عمل المجلس واللجان المتخصصة لم تغفل هذه المسألة أصلًا. فالمادة الرابعة عشرة المنظمة لمناقشة التقارير السنوية تنص على أن تتناول اللجنة ما ورد إليها حيال قرارات المجلس السابقة ذات العلاقة لإطلاع المجلس على ما تم بشأنها، وأن تستأنس بخطط الدولة ومبادراتها وتقارير الجهات الرقابية المختصة، وتأخذ في الاعتبار مؤشرات الأداء الرئيسية للجهة، وأدوات قياسها، ومدى تحققها، وأسباب التعثر إن وجدت، ومرئيات المواطنين حيال أداء الجهة.
وهذا يعني أن الذاكرة الرقابية التي نبحث عنها موجودة في القواعد نفسها. ولذلك لم يعد السؤال: هل ينبغي للمجلس أن يعود إلى قراراته السابقة؟ بل: إلى أي مدى يظهر أثر هذه المتابعة بوضوح عندما نقرأ ما يصدر بشأن الجامعة من عام إلى آخر؟
ففيما راجعتُه، وجدت انتقالًا في موضوعات بعض القرارات بين السنوات، لكن مسار كل ملاحظة سابقة وما انتهت إليه لم يكن ظاهرًا دائمًا بالوضوح نفسه في المخرجات المنشورة. وهذا لا يعني أنها لم تُتابع داخل أعمال اللجنة، وإنما يعني أن الصلة بين القرار السابق والنتيجة اللاحقة ليست دائمًا ظاهرة لمن يتابع ما ينشر من قرارات.
بل، إن قواعد العمل تؤكد فردية النظر في الأداء؛ فالمادة الثانية والعشرون منها تقضي بأن تُدرس تقارير أداء الأجهزة الحكومية السنوية كل على حدة، وألا يُضم أكثر من تقرير في دراسة واحدة. أي أن لكل جامعة تقريرها وأداءها ومؤشراتها وقراراتها التي تُدرس مستقلة. وإذا كانت الجامعة تُفرد بهذا النظر المستقل، فمن الطبيعي أن تصل المناقشة، عند بعض القضايا، إلى القرارات التنفيذية التي صنعت نتائج ذلك التقرير.
ولسنا بحاجة هنا إلى اختراع منظومة قياس جديدة. فالمملكة لديها المركز الوطني لقياس أداء الأجهزة العامة «أداء»، ولديها هيئة تقويم التعليم والتدريب ومنظومات التقويم والاعتماد والتصنيف، وهناك مجلس شؤون الجامعات ضمن الإطار التنظيمي والسياساتي للقطاع. وقواعد مجلس الشورى نفسها تفتح المجال أمام مؤشرات الأداء وتقارير الجهات الرقابية والقرارات السابقة وأسباب التعثر.
المشكلة ليست في غياب المعلومات، وإنما في اكتمال لحظة المساءلة.
فإذا وصل تقرير الجامعة إلى الجلسة العامة، وكانت أمام أعضاء المجلس نتائج الدراسة والمؤشرات والقرارات السابقة والملاحظات، ثم وصلت المناقشة إلى قرار استراتيجي، أو مستهدف لم يتحقق، أو تعثر يحتاج إلى تفسير قيادي، يبرز سؤال آخر: هل حان هنا دور رئيس الجامعة في المناقشة؟
وللإنصاف مرة أخرى، فإن الجامعة ليست غائبة عن مراحل دراسة تقريرها؛ فلجنة التعليم والبحث العلمي تدرس التقرير، ويمكن أن تستعين بالمسؤولين والمختصين أثناء عملها. وهذه مرحلة ضرورية. لكن هناك فرقًا بين دراسة التفاصيل الفنية داخل اللجنة وبين اللحظة التي يُطرح فيها التقرير تحت القبة، ويناقش أعضاء المجلس أداء الجامعة ونتائجها وتحدياتها. هنا ينتقل السؤال من الرقم إلى القرار، ومن الإجراء إلى الأثر، ومن التفاصيل الفنية إلى المسؤولية التنفيذية.
والأهم أن حضور المسؤول ليس فكرة غريبة عن بنية المجلس ولا يحتاج إلى استحداث مسار جديد. فنظام مجلس الشورى يتيح طلب حضور المسؤول الحكومي جلسات المجلس عندما يناقش أمورًا تتعلق باختصاصاته، كما يتيح طلب ما لدى الأجهزة الحكومية من وثائق وبيانات يراها المجلس ضرورية لأعماله.
وتذهب قواعد عمل المجلس واللجان المتخصصة إلى تفصيل أكثر مباشرة؛ فالمادة الثالثة والثلاثون، المتعلقة بحضور المسؤولين جلسات المجلس، لا تكتفي ببيان مسار طلب حضور المسؤول، بل تجيز للجنة أو لأي عضو أن يتقدم كتابةً إلى رئيس المجلس بطلب حضوره، ولرئيس المجلس اتخاذ ما يراه مناسبًا.
وهنا تتغير طبيعة السؤال. فنحن لا نقترح صلاحية جديدة، ولا نطالب بإجراء لا تعرفه قواعد المجلس. الأداة موجودة، بل إن مفتاح طلب استخدامها متاح للجنة ولعضو المجلس نفسه. ولذلك يصبح السؤال: عندما تكشف دراسة تقرير جامعة عن قضية تتصل بقرار استراتيجي اتخذته قيادتها، أو مستهدف لم يتحقق، أو تعثر يحتاج إلى تفسير، فلماذا لا يُطلب حضور رئيس الجامعة لتكون المناقشة مباشرة بين من يسأل عن الأثر ومن تحمل مسؤولية القرار التنفيذي؟
ولا أقصد بذلك أن يحضر رئيس الجامعة كل اجتماع، أو أن يجيب عن كل تفصيل فني. لدى الجامعة نواب ووكلاء ومسؤولون ومختصون يستطيعون شرح البيانات والإجراءات. لكن هناك نقطة تنتهي عندها مهمة تفسير الرقم وتبدأ مسؤولية تفسير القرار.
الموظف يشرح الرقم، والمختص يشرح الإجراء، أما رئيس الجامعة فعليه أن يفسر القرار.
لماذا اختارت الجامعة هذه الأولوية دون غيرها؟ على أي بيانات بُني القرار؟ ما المستهدف الذي وضع له؟ ماذا حدث بعد تنفيذه؟ كم كلف؟ ماذا حقق؟ لماذا تعثر؟ وإذا لم يحقق النتائج المتوقعة، فما الذي تعلمته الجامعة منه، وما الذي ستغيره؟ هذه ليست أسئلة يستطيع جدول أو مؤشر أن يجيب عنها كاملة؛ إنها أسئلة قيادة.
وقد يقال، بحق، إن الجامعة لا تُدار بقرار فرد واحد، وإن لها مجالس وأطر حوكمة، وإن لمجلس شؤون الجامعات اختصاصاته، ولجهات القياس والتقويم أدوارها. وهذا كله صحيح. فمجلس الشورى لا يحل محل مجلس شؤون الجامعات، ولا محل هيئة تقويم التعليم والتدريب، ولا محل مركز «أداء». لكن تعدد الجهات لا يلغي المسؤولية التنفيذية؛ بل يجعل تحديدها أكثر أهمية. والسؤال هنا ليس: من يدير قطاع الجامعات؟ وإنما: من يفسر أمام المجلس نتائج القرارات التنفيذية لجامعة بعينها عندما يكون تقريرها السنوي محل المناقشة؟
هنا يأتي دور رئيس الجامعة.
وحضوره لا ينبغي أن يُفهم باعتباره حضورًا للدفاع عن الجامعة وكأنها في موضع اتهام؛ بل قد يكون فرصة للجامعة قبل أن يكون مساءلة لها. فقد يكون الرئيس قد اتخذ قرارًا جريئًا أحدث تحولًا لا تستطيع الجداول أن تروي قصته، وقد يتراجع مؤشر لأن الجامعة تحملت كلفة قصيرة الأجل لمعالجة خلل ستظهر نتائج إصلاحه لاحقًا، وقد يتعثر مشروع لأسباب خارجة عن قدرة الجامعة. المؤشر يخبرنا بما حدث، لكنه لا يخبرنا دائمًا لماذا حدث. ومن حق رئيس الجامعة أن يشرح السياق والقرار، كما أن من حق المجلس أن يسمع هذا التفسير مباشرة عندما تكون المسألة متصلة بمسؤوليته التنفيذية.
وإذا اجتمعت هذه العناصر، فلن نحتاج إلى تحويل جلسة مناقشة التقرير إلى استعراض لمئات المؤشرات. فالجامعة الصحية المتخصصة ليست كالجامعة الشاملة، والجامعة التي تخدم منطقة ذات خصائص تنموية معينة ليست نسخة من جامعة أخرى. والمقارنة العادلة ينبغي أن تنظر إلى الجامعة عبر الزمن، وإلى مستهدفاتها، وإلى الجامعات النظيرة لها في الرسالة والظروف، ثم تسأل عن الأثر الذي تحقق بالفعل.
عندها تتصل الحلقات الموجودة أصلًا: تقرير الجامعة، ومؤشرات الأداء، ونتائج التقويم، والقرارات السابقة، ودراسة اللجنة، ثم مناقشة المجلس؛ وعندما يصل السؤال إلى القرار التنفيذي، يكون هناك مسار نظامي لطلب حضور المسؤول القادر على تفسيره. وبعد ذلك يأتي التقرير التالي فلا يبدأ من الصفر، وإنما من حيث انتهت المناقشة السابقة: ماذا طُلب؟ ماذا نُفذ؟ ماذا تغير؟ وما الذي بقي متعثرًا؟
فالجامعات السعودية اليوم لم تعد مؤسسات تمنح الشهادات فقط. إنها مؤسسات تعليم وبحث وابتكار وتنمية، تدير موارد بشرية ومالية ومعرفية كبيرة، ويُنتظر منها أن تسهم في سوق العمل، واقتصاد مناطقها، والبحث والابتكار، وفي تنافسية المملكة. وكلما اتسعت قدرة الجامعة على اتخاذ القرار، ازدادت أهمية أن تكون المسؤولية عن أثر ذلك القرار واضحة.
الاستقلالية دون قياس أثر ناقصة، والمؤشرات دون مساءلة ناقصة، والمساءلة دون بيانات موثوقة ناقصة، والتقرير السنوي، مهما كان جيدًا، يظل ناقصًا إذا أصبح هو الصورة كلها.
وما نحتاج إليه ليس مزيدًا من الأوراق، وإنما أن تكتمل الحلقة بين ما كتبته الجامعة، وما أثبتته المؤشرات، وما سبق أن قرره المجلس، وما يفسره المسؤول عن القرار، وما تحقق بعد ذلك.
وعندها، عندما يصل التقرير السنوي للجامعة مرة أخرى إلى قبة مجلس الشورى، لن يكون السؤال الأهم: كم بحثًا نشرت؟ وكم مبادرة أطلقت؟ وكم برنامجًا دشنت؟
بل هو سؤال واحد تختصر إجابته معنى التقرير والمساءلة معًا: ماذا تغيّر في جامعتكم منذ أن ناقش المجلس تقريركم السابق؟
** **
- د. خالد بن سرحان المطيري
dr.khalid.s.almutairi@gmail.com