د. طلال الحربي
حين يبحث الإنسان عن الأمان فإنه لا يبحث عن ترفٍ يُضاف إلى حياته، وإنما عن شرطٍ أول من شروط العيش الكريم والعمل المنتج والتخطيط للغد. ومن هذه الحاجة الإنسانية العميقة وُلدت فكرة التأمين قبل أن تتحول إلى صناعة ذات أنظمة ومؤسسات وأرقام. فقد عرفت الحضارات القديمة صورًا أولى لتوزيع الخطر، إذ تضمنت شريعة حمورابي في بابل أحكامًا تخفف عن التاجر خسارته إذا سُلبت قافلته، وتقاسم تجار الصين قديمًا بضائعهم على قوارب متعددة حتى لا يُهلك النهرُ مال أحدهم كله. وعرف العرب في جاهليتهم وإسلامهم نظام العاقلة الذي يتحمل فيه أهل الرجل الدية عنه، وتعاقد التجار في موانئ المتوسط على تأمين السفن والبضائع، ثم جاء حريق لندن الكبير عام 1666م ليكشف حاجة المدن إلى تأمين الممتلكات، ونشأت في مقهى إدوارد لويدز أواخر القرن السابع عشر السوق التي صارت لاحقًا أشهر أسواق التأمين البحري في العالم. وهكذا انتقل التأمين عبر القرون من تضامن عفوي بين الناس إلى علم قائم على الإحصاء والاحتمال وإدارة المخاطر، وإلى صناعة تحمي الاقتصادات من الانكسار أمام الكوارث والأزمات.
وفي المملكة العربية السعودية سلك التأمين طريقًا خاصًا يتسق مع هويتها وثوابتها، فقد اختارت المملكة نموذج التأمين التعاوني الذي ينسجم مع مقاصد الشريعة في التكافل ورفع الضرر، فجاء تأسيس الشركة الوطنية للتأمين التعاوني منتصف الثمانينيات الميلادية لبنةً أولى في بناء سوق وطنية منظمة، ثم صدر نظام الضمان الصحي التعاوني ليجعل الرعاية الصحية للعاملين في القطاع الخاص حقًا مصونًا لا منّةً من أحد، وتبعه نظام مراقبة شركات التأمين التعاوني الذي نقل السوق من مرحلة الاجتهاد والوكالات الأجنبية المتفرقة إلى مرحلة الترخيص والرقابة والإفصاح، ووضع أُسسًا واضحة لرؤوس الأموال والملاءة المالية وحماية حقوق حملة الوثائق. وتوالت بعد ذلك إلزامية التأمين على المركبات، والتأمين الصحي، وتأمين الأخطاء الطبية، وغيرها من التشريعات التي وسّعت مظلة الحماية وأدخلت التأمين إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطن والمقيم.
غير أن التحول الأكبر جاء مع رؤية المملكة 2030، التي نظرت إلى القطاع المالي بوصفه عصب الاقتصاد الحديث، وإلى التأمين بوصفه أحد أعمدته التي لا يستقيم البناء دونها. فالرؤية التي تستهدف تنويع مصادر الدخل، وجذب الاستثمارات، وإطلاق المشاريع الكبرى، وتمكين القطاع الخاص، وتنمية الادخار الوطني، لا يمكن أن تمضي إلى غاياتها في بيئة مكشوفة للمخاطر. فالمستثمر لا يضع ماله في مشروع لا يُؤمَّن، والمصرف لا يموّل منشأة لا تحمي أصولها، والأسرة لا تطمئن إلى مستقبلها ما لم تجد من يقف معها ساعة المرض أو الحادث أو الفقد. ومن هنا جاء برنامج تطوير القطاع المالي ليضع التأمين في قلب مستهدفاته، ساعيًا إلى رفع نسبة مساهمته في الناتج المحلي، وتعميق انتشاره بين الأفراد والمنشآت، وتنويع منتجاته لتشمل الادخار والحماية والتأمين على الحياة، وتعزيز قدرة الشركات الوطنية على المنافسة واستبقاء أقساط التأمين داخل الاقتصاد الوطني بدل تسربها إلى الخارج.
وما كان لهذا المسار أن يتحقق لولا الدعم الذي توليه القيادة الرشيدة، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان حفظهما الله، لهذا القطاع الحيوي، دعمًا لا يقف عند حدود التشريع، بل يمتد إلى بناء المؤسسات وتمكين الكفاءات وترسيخ الثقة. فالقيادة تدرك أن التأمين ليس عقدًا يُوقَّع بين طرفين فحسب، بل هو عهد طمأنينة بين الدولة والمجتمع، وضمانة لاستقرار الأسواق، وحارس للمكتسبات التنموية من أن تذهب بها حادثة عابرة أو كارثة طارئة. ولذلك حرصت الدولة على أن يكون لكل من يحمل وثيقة تأمين، أيًّا كان نوعها، يقينٌ بأن حقه محفوظ، وأن وراء هذه الوثيقة نظامًا يحميه، وجهة رقابية تسهر على إنصافه.
وفي هذا السياق جاء إنشاء هيئة التأمين خطوةً مفصلية في تاريخ القطاع، إذ انتقل الإشراف عليه إلى جهة مستقلة متخصصة تتفرغ لتنظيمه وتطويره، بعد أن أدى البنك المركزي السعودي دوره الرائد في رعايته سنوات طويلة. وقد أثبتت الهيئة منذ انطلاقتها أنها ليست جهاز رقابة تقليديًا يكتفي بالمتابعة وإصدار العقوبات، بل مؤسسة تنظيمية حديثة تجمع بين الحزم والمرونة، وبين حماية المستفيد وتمكين الشركات، وبين الالتزام بالمعايير الدولية ومراعاة خصوصية السوق المحلية. فقد عملت على تحديث الأطر التنظيمية، وتعزيز متطلبات الحوكمة والملاءة، وتشجيع الاندماجات التي تصنع كيانات أقوى وأقدر على الاحتمال، ورفع مستوى الشفافية في تسوية المطالبات، وتسريع التحول الرقمي في خدمات التأمين، وفتح المجال أمام حلول التقنية التأمينية المبتكرة. ويستحق رئيس مجلس ادارة الهيئة ورئيسها التنفيذي ومنسوبيها ومنسوباتها إشادة صادقة بما يبذلونه من جهد مهني رصين، وما يتحلون به من كفاءة علمية وحس وطني، فهم يعملون في صمت على صون مكتسبات قطاع بُني عبر عقود، ويدركون أن أي خلل في الثقة بالتأمين ينعكس على الاقتصاد كله، وأن حماية حقوق حملة الوثائق هي في جوهرها حماية للمجتمع.
ولعل أجمل ما يُروى في قصة التأمين السعودي أنها قصة شابات وشباب سعوديين حملوا هذا القطاع على أكتافهم. فقد كان التأمين في سنواته الأولى مجالًا تهيمن عليه الخبرات الأجنبية، ويُنظر إليه على أنه عالم من المصطلحات المعقدة والحسابات الاكتوارية التي لا يدخلها إلا القليل. أما اليوم فإن السعوديين والسعوديات يتصدرون مواقع القرار في الشركات، ويديرون الاكتتاب والمطالبات وإدارة المخاطر والامتثال والاستثمار، ويحملون الشهادات المهنية العالمية، ويمثلون المملكة في المحافل الدولية بثقة واقتدار. وقد أسهمت برامج التوطين والتأهيل التي تبنتها الجهات المختصة والشركات في صناعة جيل يعرف السوق من داخلها، ويفهم حاجات المجتمع الذي ينتمي إليه، فصار التأمين السعودي يحمل بصمة أبنائه وبناته، وصارت الخبرة الوطنية فيه علامةً يُعتد بها وميزة تنافسية تُحسب للمملكة.
ولا يكتمل الحديث دون الإشارة إلى الدور الذي تضطلع به شركات التأمين وشركات المهن الحرة المرتبطة بها من وسطاء ووكلاء وخبراء معاينة وتقدير خسائر واكتواريين، فهي الحلقة التي تلتقي فيها السياسات بالناس، وهي التي تترجم مستهدفات الرؤية إلى منتجات وخدمات تصل إلى المستفيد. وعلى هذه الشركات أن تدرك أن المرحلة تتطلب منها أكثر من تحقيق الأرباح، فهي مطالبة بتطوير منتجات تلائم المشاريع الكبرى والقطاعات الناشئة كالسياحة والترفيه والنقل والطاقة المتجددة، وبنشر الوعي التأميني، وبتسوية المطالبات بعدالة وسرعة، وبالاستثمار في الإنسان والتقنية معًا. فالثقة التي بنتها الدولة والهيئة لا تُحفظ إلا إذا شعر حامل الوثيقة بأن الشركة التي اختارها شريكٌ حقيقي في لحظة حاجته لا مجرد جهة تحصّل الأقساط.
ومع الإستراتيجية الوطنية للتأمين التي باركها مجلس الوزراء قبل فترة وجيزة والتي حملت سوق التأمين السعودي الى العالمية وانطلقت المبادرات والاستثمارات في قطاع التأمين وأصبح سوق التأمين السعودي جذابا للشركات العالمية وبلغت الاستثمارات أرقاما تجاوزت بليوني ريال لشركات عالمية في السوق السعودي لتقدم للمستفيدين خيارات تأمينية متنوعة وتنافسية في الخدمات والأسعار تصب كلها في صالح المستفيدين من خدمات التأمين بكل أنواعه.
إن التأمين في المملكة اليوم يقف على أرض صلبة، يسنده تشريع متين، وترعاه قيادة تؤمن بدوره، وتنظمه هيئة يقظة، وتحمله سواعد وطنية مؤهلة، ويتسع أفقه بقدر اتساع طموحات الرؤية. وإذا كانت المملكة تبني اقتصادًا للمستقبل، فإن التأمين هو الذي يمنح هذا البناء قدرته على الصمود، ويمنح الإنسان فيه طمأنينته، ويجعل الغد أقل غموضًا وأكثر وعدًا.