عبد العزيز بن صالح الفريدي
حين تُعلن المملكة ميزانيتها، لا يكون الأمر مجرد كشف حساب سنوي لما يدخل إلى خزينة الدولة وما يخرج منها، فخلف كل رقم في الميزانية قصة مشروع، وخلف كل مشروع طريق جديد، أو مدينة تتسع، أو منشأة ترى النور، أو بنية تحتية تفتح مجالًا لنشاط اقتصادي جديد، ولهذا فإن قطاع المقاولات ينظر إلى الميزانية بطريقة مختلفة، فهو لا يقرأها فقط بما تقوله من أرقام، وإنما بما يمكن أن تولده هذه الأرقام من نشاط وحركة في السوق وفرص في العمل ومساحات جديدة للنمو، ومن هنا تكتسب الميزانية الجديدة أهميتها بالنسبة إلى هذا القطاع الذي يجد نفسه في قلب واحدة من أكبر موجات البناء والتنمية التي تشهدها المملكة، فالنفقات المقدرة بنحو 1.392 تريليون ريال، مقابل إيرادات تقدر بنحو 1.202 تريليون ريال، لا تعني بالنسبة إلى قطاع المقاولات مجرد أرقام مالية، وإنما تعني استمرار قدرة الدولة على تمويل أولوياتها التنموية ومواصلة تنفيذ مشروعاتها، وهو ما يجعل السؤال الحقيقي بالنسبة إلى قطاع المقاولات ليس كم تبلغ الميزانية، وإنما كيف يستطيع القطاع أن يكون على مستوى ما تتيحه هذه الميزانية من فرص، وكيف يمكن أن يتحول حجم الإنفاق إلى مشروعات تنجز في مواعيدها، وتُنفذ بالكفاءة المطلوبة، وتضيف قيمة حقيقية للاقتصاد، فالمملكة لا تدخل مرحلة البناء من نقطة الصفر، وإنما تمضي في مسار واسع من المشروعات التي غيرت شكل مدنها ومناطقها وفتحت قطاعات جديدة أمام الاستثمار، وفي مثل هذا السوق لا يعود الحصول على عقد هو الغاية النهائية، بل يصبح التحدي الحقيقي في القدرة على إدارة العقد وتنفيذ المشروع وتحمل مسؤولية النتائج، وهو تحدٍ يزداد أهمية كلما كبر حجم المشاريع وتعقدت طبيعتها، ولذلك فإن المرحلة المقبلة قد تكون أقل تسامحًا مع المقاول الذي يعمل بعقلية السوق القديمة، وأكثر حاجة إلى شركات تمتلك قدرة مالية وإدارية وفنية تمكنها من التعامل مع مشروعات كبيرة ومتداخلة، وتعرف كيف تدير المخاطر والتكاليف وسلاسل الإمداد والوقت، فالفرصة موجودة، لكن المنافسة عليها لن تكون سهلة، والأرقام الكبيرة التي تظهر في السوق لا تعني بالضرورة أن كل شركة قادرة على الاستفادة منها، بل ربما يكون اتساع السوق نفسه هو الذي يفرض على الشركات أن تعيد النظر في أدواتها وطريقة عملها، وتكشف بيانات الهيئة السعودية للمقاولين أن السوق يشهد بالفعل حركة كبيرة، إذ تجاوزت قيمة المشاريع التي تمترسيتها خلال يونيو 2026 نحو 29.5 مليار ريال، كان نصيب قطاع البناء والتشييد منها أكثر من 20.6 مليار ريال، في مؤشر واضح على حجم النشاط الذي يمر به القطاع.
لكن الأهم من حجم المشاريع هو ما يحدث داخلها، فالمملكة لا تحتاج إلى مزيد من المشروعات فحسب، وإنما تحتاج إلى مشروعات تُنجز في الوقت المحدد، وبالمواصفات المطلوبة، وضمن التكلفة المخططة، لأن تأخر مشروع واحد قد لا يبقى أثره محصورًا في الشركة المنفذة، بل يمكن أن يمتد إلى مشروعات أخرى مرتبطة به، ويؤخر العائد الاقتصادي المنتظر منه، ويرفع كلفة التنفيذ، ومن هنا تصبح كفاءة المقاول جزءًا من كفاءة الإنفاق نفسه، ويصبح الالتزام بالوقت والجودة عنصرين لا يقلان أهمية عن قيمة العقد، وهذه النقطة تحديدًا ستفرض على شركات المقاولات أن تنتقل من التفكير في الحصول على المشروع إلى التفكير في بناء القدرة التي تمكنها من إنجاز المشروع، فالمنافسة القادمة لن تكون فقط على من يقدم السعر الأقل، وإنما على من يستطيع أن يقدم نموذجًا أكثر كفاءة في الإدارة والتنفيذ، ومن يمتلك فريقًا قادرًا على التعامل مع مشروع كبير منذ لحظة التعاقد وحتى التسليم، ولهذا فإن الملاءة المالية، والخبرة، وإدارة المخاطر، والقدرة على التعامل مع الموردين، والأنظمة الرقمية، والكفاءات الفنية، كلها ستصبح عناصر حاسمة في قدرة الشركة على البقاء والتوسع، وفي سوق بهذه الضخامة لن يكون من السهل أن تظل الشركات الصغيرة والمتوسطة خارج المعادلة، لكن عليها في المقابل أن تطور نفسها، وأن تبني شراكاتها، وأن تدخل في تحالفات تتيح لها الوصول إلى مشروعات أكبر، بدل أن تظل أسيرة لنمط تقليدي من الأعمال، فالسوق الذي يتسع بهذه السرعة يخلق فرصًا جديدة، لكنه في الوقت نفسه يعيد ترتيب موازين المنافسة داخله.
ولعل أحد أهم التحولات التي ينبغي أن ينتبه إليها قطاع المقاولات هو أن التكنولوجيا لم تعد خيارًا يمكن تأجيله، فإدارة مشروع كبير اليوم تختلف كثيرًا عن إدارة المشروع بالطريقة التقليدية، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والأنظمة الرقمية لإدارة الوقت والتكاليف والمخاطر، أصبحت أدوات تساعد الشركات على اتخاذ قرارات أسرع وأكثر دقة، وفي المقابل فإن الاستثمار في الإنسان لا يقل أهمية عن الاستثمار في التقنية، لأن الآلات والبرامج لا تبني وحدها، والمشروعات الكبرى تحتاج إلى مهندسين ومديري مشاريع وفنيين ومشرفين قادرين على تحويل الخطط إلى واقع، وهو ما يفسر أهمية الاتجاه إلى تطوير القدرات الوطنية داخل القطاع، وقد وقعت الهيئة السعودية للمقاولين في يوليو 2026 مذكرة تفاهم مع شركة كليات التميز بهدف تنمية القدرات الوطنية وتأهيل الكفاءات ورفع كفاءة القوى العاملة في قطاع المقاولات، وهذه ليست مسألة مرتبطة بالتوطين وحده، وإنما ترتبط أيضًا بقدرة القطاع على بناء كوادر تستطيع إدارة المرحلة الجديدة، لأن الشركة التي تمتلك الإنسان المؤهل تمتلك في النهاية القدرة على التوسع وتحمل المشروعات الأكبر، ومن هنا فإن أمام قطاع المقاولات فرصة لا تتكرر كثيرًا، لكنه في الوقت نفسه أمام اختبار حقيقي لنضجه وقدرته على الانتقال من مرحلة النمو المدفوعة بكثرة المشروعات إلى مرحلة أكثر احترافًا تقوم على جودة التنفيذ والاستدامة وبناء الشركات القادرة على الاستمرار.
إن الميزانية الجديدة تفتح أمام قطاع المقاولات أبوابًا واسعة، لكن قيمة الفرصة لا تقاس بعدد العقود التي يمكن الحصول عليها، وإنما بعدد المشروعات التي يمكن إنجازها كما ينبغي، وبالأثر الذي يمكن أن تتركه هذه المشروعات في الاقتصاد والمجتمع، والمقاول الذي ينظر إلى العقد باعتباره نهاية الطريق قد يكتشف أن العقد في الحقيقة هو بداية الاختبار، أما من ينظر إليه باعتباره مسؤولية وفرصة لبناء اسم وثقة وخبرة وقدرة على الاستمرار، فهو الذي يستطيع أن يحول حركة السوق إلى مستقبل حقيقي لشركته، فالمملكة تبني اليوم بحجم غير مسبوق، وقطاع المقاولات يقف في مقدمة القطاعات التي ستشارك في ترجمة هذا البناء إلى واقع، لكن المرحلة المقبلة لن تكافئ بالضرورة من يحصل على أكبر عدد من العقود، بقدر ما ستكافئ من يستطيع أن يحول العقد إلى إنجاز، والإنجاز إلى قيمة، والقيمة إلى ثقة، وفي سوق يتسع بهذا الحجم، قد لا يكون التحدي الحقيقي هو العثور على مشروع جديد، وإنما أن تثبت أنك قادر على إنجاز المشروع الذي بين يديك بالمستوى الذي تستحقه المملكة التي تبني للمستقبل.