عوض علي أحمد الطالبي
في مرحلة استثنائية من تاريخ الدول، تبرز خطابات القادة كأكثر من مجرد كلمات بروتوكولية؛ بل تتحول إلى وثائق إستراتيجية عليا ترسم ملامح الحاضر وتستشرف آفاق المستقبل الزاهر. وتحت قبة مجلس الشورى السعودي، وضمن افتتاح أعمال السنة الثالثة من الدورة التاسعة للمجلس، تجسّد هذا المفهوم في أبهى صوره عندما ألقى صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، الخطاب الملكي السنوي نيابة عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز.
جاء هذا الخطاب حاملاً في طياته عمقاً تاريخياً بالغ الرمزية؛ إذ ربط سمو ولي العهد الحاضر التنموي المتسارع بجذور التاريخ الممتد، معلناً اقتراب لحظة تاريخية فارقة تتمثل في إكمال الدولة السعودية ثلاثمائة عام منذ نشأتها المباركة. إنها ثلاثة قرون من الصمود، البناء، والتطوير القائم في كل مراحله على الثوابت الراسخة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. هذا الإعلان لم يكن احتفاءً بالماضي فحسب، بل كان نقطة انطلاق جوهرية أثبتت أن المملكة تختال بإرثها لتصنع منه طاقة جبارة تدفعها نحو مشارف القرن الرابع بعزيمة قيادتها الشابة، ومتانة اقتصادها، وعطاء شعبها الطموح.
ويعد منبر مجلس الشورى في العاصمة الرياض أحد أهم المنصات الوطنية التي يُقاس من خلالها مؤشر النهضة المؤسسية في المملكة. إن إلقاء سمو ولي العهد لهذا الخطاب التاريخي تحت هذه القبة يمثل تجسيداً جلياً للعناية الفائقة التي توليها القيادة للعمل الشوري وتكامل السلطات.
وتأتي هذه الكلمة لتشكل خارطة طريق وطنية شاملة يستنير بها أعضاء مجلس الشورى في أداء مسؤولياتهم الرقابية والتشريعية. فالمجلس، الذي نجح خلال مخرجات سنته المنصرمة في إصدار خمسمائة وخمسة وخمسين قراراً شملت الأنظمة واللوائح والاتفاقيات الدولية عبر ست وأربعين جلسة عمل مكثفة، يجد في هذا الخطاب الملكي المرجعية الأساسية التي تُعِين لجانه المتخصصة على مواكبة سرعة قطار التنمية الاستثماري والبشري. إنها علاقة تكاملية متينة تجمع بين طموح القيادة التنفيذية ورصانة المؤسسة التشريعية، بما يضمن صياغة بيئة تنظيمية مرنة وقادرة على استيعاب المستهدفات الكبرى لرؤية السعودية ألفين وثلاثين.
وحين يتحدث الأمير محمد بن سلمان عن الاقتصاد، تتنحى الإنشاءات اللغوية جانباً لتفسح المجال للغة الأرقام والمؤشرات الدولية الفاصلة. لقد تضمن الخطاب السنوي كشف حسابٍ شفاف ومبهر لأداء الدولة المالي والتنموي، مبرزاً تحول المستهدفات النظرية إلى منجزات ملموسة على أرض الواقع. وأعلن سمو ولي العهد بوضوح وثقة أن مؤشرات رؤية السعودية ألفين وثلاثين قد نجحت في تحقيق ثلاثة وتسعين بالمئة من مستهدفاتها الكلية. هذا الرقم الضخم يحمل في طياته دلالة عميقة على كفاءة الأداء الحكومي والقدرة الفائقة على التنفيذ، متجاوزاً كافة التشكيكات الدولية التي صاحبت إطلاق الرؤية قبل عقد من الزمن. ولم يقف الخطاب عند رصد الأرقام فحسب، بل شدد على ميزة المرونة الاقتصادية الشاملة التي تتمتع بها المملكة. لقد أثبتت الأزمات الجيوسياسية المتلاحقة والتوترات الإقليمية المحيطة أن الاقتصاد السعودي ليس مجرد اقتصاد مرن، بل هو منظومة حيوية تمتلك من التخطيط الطويل المدى ما يسمح لها بالتكيف مع الصدمات وتحويل التهديدات الخارجية إلى فرص نمو وتطوير مستدامة.
منذ عقود، كان الهاجس الأكبر لخبراء الاقتصاد في الداخل والخارج هو كيفية فك الارتباط البنيوي بين ميزانية الدولة وعوائد النفط الخام. وجاء خطاب ولي العهد ليضع الإجابة الشافية مسجلاً إنجازاً تاريخياً غير مسبوق، حيث قفزت الصادرات غير النفطية بنسبة مئة وخمسة وخمسين بالمئة مقارنة بعام ألفين وستة عشر للميلاد.
هذا النمو الهائل ليس مجرد رقم إحصائي، بل هو انعكاس لافتتاح مئات المصانع الجديدة، وتنشيط قطاعات التعدين، والصناعات التحويلية، والخدمات اللوجستية، والترفيه، والسياحة، مما يرسخ قاعدة صلبة ومستقرة للأجيال القادمة لا تتأثر بتقلبات أسواق الطاقة العالمية. وفي سياق التحول نحو نموذج اقتصادي تشاركي، أوضح الخطاب أن مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي قد ارتفعت لتصل إلى واحد وخمسين بالمئة. هذا المؤشر يثبت نجاح برامج التخصيص وتطوير البيئة الاستثمارية وتسهيل ممارسة الأعمال التي قادها سموه عبر شتى اللجان الحكومية.
ورغم هذا التحول التجاري والاستثماري، ظل الانحياز الكامل في الخطاب الملكي متجهاً نحو الإنسان السعودي؛ حيث أكد سموه أن قطاعي التعليم والصحة يمثلان الأولوية القصوى والركيزة الأساسية في ميزانيات الدولة، انطلاقاً من الإيمان الراسخ بأن المواطن هو أصل كل نجاح والمحرك الفعلي للتنمية المستدامة.
ولم تغب الثورة الصناعية الرابعة عن مضامين كلمة سمو ولي العهد، حيث استعرض بفخر التقدم الهائل للمملكة في المؤشرات الدولية المرتبطة بالمستقبل الرقمي، وحصدت المملكة المرتبة الأولى عالمياً في مؤشرات الأمن السيبراني تأكيداً على بناء بنية تحتية رقمية آمنة تحمي المنشآت الحيوية والبيانات السيادية، بالإضافة إلى ريادتها في الجاهزية الرقمية وتنمية الاتصالات مما جعل المملكة بيئة جاذبة لكبريات الشركات التقنية العالمية ومراكز البيانات السحابية العملاقة.
وانتقل الخطاب الملكي بعد استعراض المنجزات الداخلية إلى صياغة العقيدة العسكرية والأمنية للمملكة في مرحلة بالغة التعقيد من تاريخ الشرق الأوسط. وكانت الرسائل التي وجهها سمو ولي العهد واضحة، حاسمة، ولا تقبل التأويل؛ حيث أكد على محورية جاهزية القدرات الذاتية من خلال امتلاك كفاءات بشرية وعسكرية عالية الكفاءة قادرة على تصدي وردع التهديدات أياً كانت مصادرها. وفي الوقت ذاته، يسير المسار الدبلوماسي جنباً إلى جنب ببذل كافة الجهود السياسية الممكنة مع الشركاء الدوليين لخفض التصعيد ونزع فتيل النزاعات. غير أن الخط الأحمر السيادي يظل قائماً بدون تهاون مطلقاً في حفظ الأمن الوطني، والرد الحازم والفوري على أي مساس بأمن البلاد، انطلاقاً من الإيمان بأن الأمن والاستقرار لدول مجلس التعاون الخليجي هو كلٌّ لا يتجزأ. ووجه الأمير محمد بن سلمان من خلال هذا المنبر البرلماني تحية إجلال وفخر للأبطال البواسل في القوات العسكرية والأمنية، وأشاد بيقظتهم التامة واستعدادهم المستمر في الذود عن ثغور الوطن، مؤكداً أن هذه الجاهزية العالية هي التي تجعل من الأمن مظلة وارفة لبلادنا، ومن الاستقرار درعاً حصيناً لحماية نهج الازدهار والبناء التنموي المتسارع.
وتأكيداً على مكانة المملكة العربية السعودية بصفتها ثقلاً سياسياً واقتصادياً وروحياً لا يمكن تجاوزه على الساحتين الإقليمية والدولية، وضع الخطاب الملكي النقاط على الحروف في أكثر ملفات السياسة الخارجية سخونة وحساسية. وأعاد سمو ولي العهد التأكيد بصوت جهوري وتحت قبة الشورى على إدانة المملكة الشديدة للاعتداءات الوحشية التي تقترفها سلطات الاحتلال الإسرائيلي ضد الأشقاء في قطاع غزة، والانتهاكات المتكررة للمسجد الأقصى المبارك. وجاء الموقف السعودي حاسماً وحازماً بأن التزام المملكة بدعم حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة هو موقف راسخ وجهد مستمر لن يتوقف حتى يتمكن الأشقاء من إقامة دولتهم المستقلة ذات السيادة الكاملة على حدود عام ألف وتسعمائة وسبعة وستين وعاصمتها القدس الشرقية، وفقاً لقرارات الشرعية الدولية والمرجعيات المعتمدة.
هذا الثبات في الموقف يعزز قيادة المملكة للمنظومة الإسلامية والعربية والدولية الرامية لتحقيق العدالة والسلام الحقيقي. وفي الملف اليمني، جدد الخطاب الملكي التزام المملكة الشامل والكامل عبر تحالف دعم الشرعية بتقديم الدعم والمساندة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً. وشدد سموه على ضرورة تمكين الحكومة من بسط سلطتها ونفوذها على كامل التراب اليمني لاستعادة الاستقرار والأمن والتنمية. وفي المقابل، أطلق الخطاب إدانة صريحة وواضحة لاعتداءات الميليشيات الحوثية الإرهابية، واصفاً إياها بأنها جماعة اختارت طريق الفوضى والخراب والدمار، واتخذت من تهديد مقدرات الشعب اليمني وأمن الجوار مسلكاً تدميرياً لها.
ولم يغب الملف السوداني عن بوصلة الاهتمام السعودي في الخطاب السنوي؛ إذ أعلن سمو ولي العهد موقف المملكة الثابت والداعم بلا حدود لوحدة السودان وسلامة أراضيه واستقراره السياسي، ودعا الخطاب إلى ضرورة المحافظة على مؤسسات الدولة الشرعية، وبذل كل الجهود الممكنة لتجنيب الشعب السوداني الشقيق مآسي الحروب والتمزق والدمار، مؤكداً استمرار المبادرات الدبلوماسية والإنسانية السعودية لتقريب وجهات النظر وحقن الدماء. من جانبه، أشار معالي رئيس مجلس الشورى الشيخ الدكتور عبدالله بن محمد آل الشيخ، في قراءته لمضامين الخطاب، إلى التطور الهائل في نشاط المجلس الخارجي، حيث سجل المجلس نشاطاً لافتاً عبر مئة وخمسة وثلاثين منشطاً برلمانياً دولياً وإقليمياً، شملت الزيارات المتبادلة واللقاءات والمشاركات البرلمانية. هذا الحضور الخارجي الفاعل حظي بمساندة وتمكين مباشرين من سمو ولي العهد، وتوّج برئاسة المملكة للدورة الحالية للاتحاد البرلماني العربي واستضافة أعماله، مما يعكس الدور المحوري للرياض في قيادة الدبلوماسية البرلمانية كوسيط للتقارب والتشاور وتنسيق المواقف تجاه القضايا العربية المصيرية وترسيخ قيم الحوار والسلم الدوليين.
وإذ ما أردنا تفكيك الخطاب السنوي للأمير محمد بن سلمان من الناحية الاستراتيجية والسياسية، نجد أنه يرتكز على معادلة ثلاثية الأبعاد تُشكل الهوية الجديدة للمملكة العربية السعودية الحديثة.
البعد الأول هو الثقة المفرطة القائمة على المنجز؛ فالخطاب لم يطلق وعوداً مستقبلية مرسلة، بل استند إلى إنجازات محققة على أرض الواقع من نسب نمو كبرى ومستهدفات واقعية. هذه اللغة تمنح القيادة السعودية مصداقية سياسية عالية جداً أمام مجتمع المال والأعمال الدولي، وتؤكد للمواطن في الداخل أن التضحيات والإصلاحات الهيكلية التي تمت في السنوات الماضية بدأت تؤتي ثمارها اليانعة في شتى مجالات الحياة.
والبعد الثاني يكمن في التوازن الدقيق بين القوة الناعمة والقوة الخشنة، حيث أظهر الخطاب براعة سياسية فائقة في الجمع بين أدوات القوة الناعمة المتمثلة في دعم الحلول الدبلوماسية وخفض التصعيد وتعزيز أمن الطاقة العالمي والمساعدات الإنسانية، وبين أدوات القوة الخشنة الرادعة المتمثلة في امتلاك قدرات عسكرية عالية الكفاءة والحسم الكامل والرد الفوري على التهديدات. هذا المزيج، الذي يُعنَى به في العلوم السياسية باسم القوة الذكية، هو الذي يحمي المنجزات الاقتصادية ويضمن استدامتها وسط بيئة إقليمية مضطربة.
أما البعد الثالث فهو وضع المواطنة كأولوية قصوى؛ فبرغم الحديث عن المشاريع المليارية والشركات العالمية ومؤشرات التنافسية الدولية، يعود الخطاب دائماً ليركز على التعليم والصحة والمواطن السعودي.
هذه الأنسنة للمشاريع الاقتصادية تضمن التفاف الجبهة الداخلية حول القيادة، وتجعل من المواطن شريكاً أصيلاً ومحركاً أساسياً في معركة البناء والتحديث والتطوير.
إن الخطاب الملكي السنوي الذي تفضل بإلقائه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز أمام مجلس الشورى، نيابة عن مقام خادم الحرمين الشريفين، يمثل بحق وثيقة اعتزاز وطني تاريخية وصياغة دقيقة لملامح الغد. إنه إعلان صريح للعالم أجمع بأن المملكة العربية السعودية لا تقف موقف المتفرج المنتظر لما ستسفر عنه تحولات الغد، بل هي قوة فاعلة تشارك بقوة وعزم في صناعة هذا الغد وتوجيهه نحو السلام والازدهار البشري. وبإرث تاريخي عريق يمتد لثلاثة قرون، وبيقظة عسكرية تحمي الحدود والثغور، وبعزيمة اقتصادية تنموية تفكك قيود الاعتماد على النفط، وبمواقف سياسية راسخة لا تقبل المساومة على حقوق الأشقاء، تسير المملكة بخطى واثقة نحو تحقيق كامل مستهدفات رؤيتها الطموحة لتبقى بلاد الحرمين الشريفين، كما كانت دائماً، ركيزة الاستقرار الأساسية، وصمام الأمان للاقتصاد العالمي، ومنارة الازدهار والتقدم والريادة في المنطقة والعالم أجمع.