جدة - وائل سعود العتيبي:
لم تعد العمارة الحجازية الساحلية في جدة مجرد ملامح من الماضي تستعاد في الواجهات الحديثة؛ فقد دخلت موجهاتها التصميمية حيز الإلزام في رخص البناء السكني الجديدة وطلبات ترميم الواجهات السكنية في أنحاء جدة، لتصبح الهوية العمرانية جزءًا من منظومة الترخيص والتنفيذ.
وبحسب أمانة محافظة جدة، بدأ تطبيق الموجهات في مايو 2026، وأُدرجت مخالفات عدم الالتزام بالموجهات التصميمية للعمارة السعودية ضمن لائحة الجزاءات البلدية، لتنتقل الهوية المعمارية من الاستلهام إلى التطبيق.
عمارة صنعتها البيئة والحركة
لا تعني «العمارة الحجازية الساحلية» إعادة بناء جدة القديمة أو استنساخ بيوتها التاريخية، بل إعادة قراءة منطقها المعماري بلغة معاصرة. وهي أحد الطرز المعمارية الـ19 التي تتضمنها خريطة العمارة السعودية، وتظهر في التجمعات الساحلية على البحر الأحمر، ومنها جدة وينبع والقنفذة، متأثرة بالبيئة الساحلية والتنوع الجغرافي والتفاعل الثقافي.
وفي جدة، التقت التجارة بالحج وحركة البشر والبضائع والأفكار، فيما فرض المناخ الحار والرطب حلولًا معمارية جمعت الوظيفة والجمال؛ فأسهمت الرواشين والشرفات البارزة والنوافذ في التهوية والإضاءة والخصوصية، واستخدم الحجر المرجاني والخشب والجص الأبيض بما يلائم البيئة الساحلية.
لذلك لا تستهدف الموجهات نقل مفردات الماضي كما هي، وإنما استعادة منطق المكان وإعادة صياغته بما يناسب تقنيات البناء والحياة المعاصرة.
من الرواشين إلى الظلال
وتترجم الموجهات هذا المنطق عبر تدرج البروزات والارتدادات بما يصنع ظلالًا ذاتية للمبنى، واستخدام الخشب أو البدائل الحديثة للعناصر البارزة، وألوان مستوحاة من البيئة، بينها الأبيض اللؤلؤي والرمل وألوان الرواشين التقليدية، مع توظيف العناصر التراثية للتهوية والإضاءة.
وهكذا تتحول الرواشين من مجرد صورة تراثية إلى عنصر وظيفي يرتبط بالظل والهواء والضوء والخصوصية؛ أي من مظهر معماري إلى طريقة في التفكير والبناء.
جدة.. مدينة صنعتها الحركة
لم تتشكَّل جدة في عزلة؛ فقد كانت ميناءً للتجارة وبوابة للحجاج القادمين بحرًا إلى مكة، وملتقى لثقافات متعددة. وتشير اليونسكو إلى أن جدة التاريخية نشأت منذ القرن السابع الميلادي ميناءً رئيسيًا على طرق التجارة في المحيط الهندي، تمر عبره السلع إلى مكة، وأصبحت بوابة للحجاج القادمين بحرًا، ما أسهم في نشوء مركز حضري متعدد الثقافات انعكس على العمارة والحرف ومواد البناء.
ومن هنا، فإن تنوع عمارة جدة التاريخية ليس خروجًا عن هويتها، بل أحد مكوناتها؛ إذ حملت المدينة في مبانيها آثار البيئة المحلية وتأثيرات التجار والحجاج والوافدين والحرفيين.
الإلزام.. أرقام تضبط التطبيق
وتشمل الموجهات رخص البناء السكني الجديدة وجميع طلبات ترميم الواجهات السكنية، فيما تتدرج الجزاءات بحسب الجهة المسؤولة.
وتواجه المكاتب الهندسية غير الملتزمة عند اعتماد الرخص غرامات من 1000 إلى 5000 ريال، تُضاعف عند التكرار، مع مهلة تصحيحية لا تتجاوز 7 أيام وإيقاف العمل بالطلب حتى التصحيح.
أما المكاتب المشرفة على التنفيذ فتتراوح غراماتها بين 2000 و10 آلاف ريال، مع مضاعفتها عند التكرار، ومهلة تصحيحية تصل إلى 7 أيام وإيقاف العمل بالرخصة حتى التصحيح.
وتشمل المقاولين المنفذين لأعمال مخالفة غرامات من 2000 إلى 10 آلاف ريال، تُضاعف عند التكرار، مع مهلة تصحيحية تصل إلى 30 يومًا وإيقاف العمل بالرخصة حتى المعالجة.
فيما يواجه مالك المبنى غرامة من 100 إلى 500 ريال عند تعديل عناصر الموجهات في الواجهة خلافًا للرخصة المعتمدة، تُضاعف عند التكرار، مع مهلة تصحيحية تصل إلى 14 يومًا وإلزامه بالتصحيح.
من الهوية إلى عمارة المستقبل
لا تستهدف الموجهات تجميد جدة في صورتها التاريخية، ولا استنساخ مبانيها القديمة، وإنما تطوير تصاميم معاصرة تستلهم خصائص العمارة الحجازية الساحلية وتحافظ في الوقت نفسه على الكفاءة الإنشائية والجمالية ومتطلبات الحياة الحديثة.
ويتسق ذلك مع خريطة العمارة السعودية التي تستلهم الخصائص الجغرافية والثقافية للمملكة وتعيد توظيف الطرز التقليدية بأساليب حديثة، والتي أطلقها ولي العهد رئيس مجلس الوزراء في 16 مارس 2025 وتضم 19 طرازًا معماريًا.
وبذلك لا يبقى التراث شكلًا قديمًا؛ فالبروزات تصنع الظل، والعناصر المستوحاة من الرواشين تخدم الضوء والتهوية، والمواد والألوان تصل المبنى ببيئته. وتتحول الواجهة من مجرد غلاف للمبنى إلى جزء من ذاكرة المدينة وسياقها العمراني.
ويبقى نجاح التجربة مرتبطًا بتحول الاشتراطات إلى وعي تصميمي لدى المهندس والمطور والمالك والمقاول؛ فاستدامة الهوية لا تتحقق بالنصوص وحدها، بل بفهم الوظائف التي نشأت من أجلها العناصر المعمارية وإعادة توظيفها بما يلائم الحاضر.
وهكذا تستعيد جدة ذاكرتها العمرانية لا لتعيش في الماضي، بل لتواصل نموها وهي تعرف اللغة التي تشكلت بها هويتها الأولى.