صالح الشادي
الشعرُ ليس فنًّا يُعلَّق على جدران المناسبات، ولا زينةً تُستدعى في المواسم ثم تُطوى. الشعرُ ذاكرةُ الشعوب، وديوانُها، ومرآةُ أحلامها وأوجاعها. وفي الجزيرة العربية خاصة، لم يكن الشعر يومًا ترفًا أدبيًا ولا فنًا هامشيًا؛ بل كان ولا يزال جزءًا من كيان الإنسان، يحفظ نسبه، ويصوغ فخره، ويروي حكايته، ويخفف عنه ثقل الأيام. وفي المملكة العربية السعودية، بتنوعها الجغرافي والبيئي والتراثي العظيم، تشكّلت ألوان شعرية محكية كثيرة، لكل منطقة لونها، ولكل قبيلة أو قرية نكهتها ومفرداتها وإيقاعها. من المحاورة والقلطة إلى السامري والعرضة والدوسري والهجيني والحداء والنهمة، ومن الموال والزهيري والأبوذية والرديح والخبيتي وغيرها، ثمة مخزون هائل يتراجع حضوره يومًا بعد يوم. بعض هذه الألوان لم يعد يُسمع إلا عند كبار السن، وبعضها تحوّل إلى صورة استعراضية بلا روح، وبعضها اختُزل في قوالب جاهزة لا تمنحه حقه ولا تكشف عن جماله الحقيقي. وإحياء هذه الأنواع ليس ترفًا ولا حنينًا إلى الماضي، بل هو حفظ للهجة، وللمثل، وللعادات، ولطريقة تفكير كاملة، ولقدرة عجيبة على قول أعمق المعاني بأبسط الكلمات. والشعر هو الميزة التي تميزنا ثقافيًا، وهو الذي أعطى أغنياتنا مذاقها الخاص وروحها الأولى. فكثير من الأغاني السعودية والخليجية لم تكن إلا قصائد محكية وُضعت على لحن، أو أبياتًا تناقلتها الألسن قبل أن تصل إلى الأستوديو. وحين يتراجع الشعر، تتراجع معه الذائقة، وتفقد الأغنية عمقها، ويصبح الكلام مجرد أصوات عابرة. ولهذا فإن استعادة الشعر المحكي ليست مسألة أدبية فقط، بل هي استعادة لهوية ثقافية كاملة، وصون لخصوصيتنا وسط هذا الزحام المادي المتشابه.
غير أن هذا الإرث العظيم لا يواجه اليوم خطرَ النسيان بقدر ما يواجه خطرَ الاختزال. فقد انحصر حضور الشعر في كثير من الأمسيات في نمط واحد من الأداء، ووجوه متكررة، ومساقات ضيقة، حتى صار الشعر في بعض المنابر أقربَ إلى مبارزة أو سجال منه إلى فنّ يخاطب الروح. وهنا يبرز سؤال جوهري: لماذا تُختزل هذه الثروة الهائلة في قالب واحد؟ ولماذا يُقصر الشعر الشعبي في كثير من الأمسيات على أنماط بعينها، مع أن المملكة تزخر بتجارب شعرية حقيقية تستحق أن تُسمَع وتُوثَّق وتُقدَّم؟ الأمسيات اليوم، على أهميتها، لا تعكس هذا التنوع ولا هذا الثراء. وكثيرًا ما تُقدَّم فيها ألوان محدودة، ووجوه متكررة، وكأن الساحة أصبحت حلبة تحدٍّ وسجال، أو منصة لدعم شاعر على حساب آخر لقرابة أو جهوية. وهذا ليس الشعر. كما أن تحويل الشاعر إلى عنصر ترفيه، ينتقل بين المناسبات والأعراس، لا يخدم الشعر ولا يليق به. هناك شعراء حقيقيون خُلقوا ليكونوا شعراء، وهناك ناظمون يتقنون صف الحروف بلا حس ولا رؤية. الناس فقدوا القدرة على التمييز بين من يرى ويشعر ويخلق صورة، وبين من يرصف الكلمات رصفًا باردًا. والفرق بينهما ليس في الوزن ولا في القافية فقط، بل في الروح والرؤية والقدرة على لمس القلب والعقل معًا. والأمر نفسه ينطبق على الشعر الفصيح؛ لا فرق ولا اختلاف. فالتضييق والتنميط يطالان الفصيح والنبطي على حد سواء، مع أن التجارب أثبتت أن الشعر في جوهره يجتمع عند جمال الكلمة وقدرتها على البقاء، لا عند التصنيف اللغوي.
وقد أدركت وزارة الثقافة، في السنوات الأخيرة، جزءًا من هذا القصور، فسعت إلى مبادرات كبرى: إعلان عام 2023م «عام الشعر العربي»، وإحياء مهرجانات كبرى مثل مهرجان الأعشى ومهرجان امرئ القيس ومهرجان طرفة، وإطلاق القناة الثقافية التي تبثّ على مدار أربع وعشرين ساعة. كما نظّمت هيئة الأدب والنشر والترجمة، بالتعاون مع هيئة المسرح والفنون الأدائية، فعالية «السامر والمحاورة» التي شارك فيها أكثر من ستين مؤديًا وثلاثين شاعرًا وعدد من المرددين، في مشهد جسّد حضور الفنون التقليدية وأعاد تقديمها بأسلوب قريب من الجمهور. وفي معارض الكتب، بدأت الأمسيات الشعرية تجمع بين الفصيح والنبطي في برنامج واحد، في إشارة إلى أن الفصل الحاد بين الشعرين ليس قدرًا محتومًا، بل هو نتاج ترتيبات مؤسسية وتاريخية قابلة للمراجعة. لكن هذه المبادرات، على أهميتها، لا تزال محدودة وموسمية. فالمطلوب ليس موسمًا للشعر يُقام مرة في العام، بل حراكًا ثقافيًا دائمًا يجعل الأمسيات الشعرية جزءًا من النسيج اليومي للمجتمع، لا حدثًا استثنائيًا. والمطلوب أن تُبرز كافة فنون الشعر وأنواعه، من المحاورة إلى السامر إلى القصيدة الوجدانية إلى الوطني إلى الرثاء، وأن تتاح المنابر لشعراء حقيقيين، لا لمن يجيدون البناء والصياغة والتنقل بين المناسبات.
وهنا تبرز أهمية تجربة الشريك الثقافي، فهي تجربة واعدة لكنها تحتاج إلى صقل بمعايير انتقاء حقيقية. لا يكفي أن يكون الشريك حاضرًا في المشهد، أو قادرًا على التنظيم، بل يجب أن يُختار وفق كفاءة حقيقية، وفهم عميق للتراث، وقدرة على اكتشاف الأصوات الجديدة، والشفافية في التعامل، والابتعاد عن المحاباة والمجاملة. الشريك الثقافي الذي لا يملك هذه المعايير يتحول إلى مجرد منصة لإعادة إنتاج الوجوه نفسها، وتكريس الأنماط نفسها، وإغلاق الأبواب أمام التجارب المختلفة. أما الشريك الحقيقي فهو الذي يفتح المنابر، ويوثّق الأصوات، ويمنح كل منطقة حقها، ويجعل الأمسية فعلًا ثقافيًا دائمًا لا موسمًا عابرًا. ويمكن لوزارات التعليم والإعلام والثقافة أن تخلق حراكًا يعيد للشعر بهاءه، وللمجتمع عاطفته، من خلال المناهج، والإعلام، والمسرح، والجوائز النزيهة، وتمكين الشباب والنساء، ودمج الفصيح بالمحكي في برامج واحدة، وتقديم الشعر على أنه تراث حيّ يواكب ابن اللحظة ويتخاطب مع تطور المجتمع، لا مجرد شكل نمطي جامد يُعاد بطريقة باردة.
إن الشعر لا يحتاج إلى تعريفات معقدة بقدر ما يحتاج إلى منابر صادقة، وذائقة منصفة، ونفوس مستعدة للاستماع. وحين نعيد للشعر المحكي المندثر ألقه، ونفتح أبوابه لكل الأصوات الحقيقية، ونميز بين الشاعر والناظم، ونصقل تجربة الشريك الثقافي بمعايير حقيقية، فإننا لا نحيي فنًا فحسب، بل نحيي جزءًا من روحنا الجماعية. الشعر ميزتنا، وهو الدفء الذي نحتاجه وسط هذا الضجيج، وهو القادر على أن يمنح المجتمع عاطفته، وأن يذكّرنا بأن الهوية ليست شعارًا يُرفع، بل صوتًا يُسمع، وقصيدة تُروى، وذاكرة تُصان.