نجلاء العتيبي
وهكذا هي الدنيا مُتقلبةٌ؛ نصحو أحيانًا على ما يوافق رغباتِنا، ونمضي أحيانًا في يوم يتطلَّب منا إعادة ترتيبها، تتبدَّل أحوالنا، وتتغيَّر قدرتنا على الاحتمال، وتأتي أحداثٌ لم نحسب لها حسابًا، وبين ما نختاره وما يقع خارج إرادتنا تتشكَّل حياتنا الحقيقية، تلك التي نعيشها بكل ما فيها، بعيدًا عن الصور المكتملة التي نرسمها في أذهاننا.
يصعُبُ علينا التقلُّب حين نربط الطمأنينة ببقاء الأشياء على حالها، نريد للصحة أن تدوم، وللقُرب أن يستمرَّ، وللنجاح أن يتصاعد دون تعثُّر، وهي رغبات مفهومة، غير أن تحويلها إلى شروط للسعادة يجعلنا في خصومة متواصلة مع الواقع؛ فالإنسان يتغيَّر، وعلاقاته تمُرُّ بمراحل، وما يناسبه في عمر قد يحتاج إلى مراجعته في عمر آخر.
قال أبو البقاء الرندي:
لكلِّ شيءٍ إذا ما تمَّ نقصانُ
فلا يُغَرُّ بطِيبِ العَيشِ إنسانُ
يحمل هذا البيت تذكيرًا بحدود الاطمئنان إلى دوام الحال، ويمكن أن نقرأه بما يُعيننا على تقدير أيام اليسر، دون أن نُفسدها بتوقُّع زوالها؛ فمن يعرف قيمة ما بين يديه يعتني به، ويمنحه حقَّه من الفرح، ويستعد بقدر استطاعته لما قد يتغيَّر، دون أن يعيش الحادثة قبل وقوعها.
وليس كل تحوُّل مكسبًا مستترًا، ولا كل خسارة بداية أجمل؛ فبعض التجارب مؤلم حقًّا، وبعض الغياب يترك مكانًا يصعب ملؤُهُ، وقد يتأخَّر التعويض أو يأتي بصورة تختلف عما تمنَّيناه، والاعتراف بذلك يحفظ صدق علاقتنا بالحياة، ويُخفّف عن المتعب عبءَ التظاهر بالقوة؛ فمن حقه أن يحزن، وأن يستريح، وأن يطلب العون، دون أن يشعر بأنه أخفق في التفاؤل.
ومع هذا يبقى في الحياة ما يستحقُّ الالتفات إليه أثناء التعب؛ فلقاء ترتاح فيه النفس، وعمل ننجزه رغم انشغالنا، وعافية تستعيد بعض قوتها، وشخص يحفظ لنا مودَّته حين تقلُّ قدرتنا على التواصل، هذه الأمور لا تمحو الوجع، لكنها تمنع اختزاله في صورة الحياة كلها، فقد يجتمع القلق والامتنان في قلب واحد، دون أن يكون أحدهما إنكارًا للآخر.
ومن هنا تبدأ مسؤوليتنا تجاه أيامنا؛ فنُميّز ما يمكن إصلاحُهُ مما يحتاج إلى قبول، ونراجع قرارًا تسبَّب في تعبنا، ونحفظ ما بقي لنا من وقت وصحة وصلات طيبة، والقبول لا يعفينا من المحاولة، والمحاولة لا تضمن أن تتحقَّق النتائج كما نريد، وبينهما مساحة نتعلَّم فيها أن نبذل جهدنا، وأن نحترم حدود قدرتنا، وأن نُغيّر الطريقة إذا تعذَّر بلوغ الغاية بالطريق الأول.
ولعل ما يساعدنا أن نتوقَّف عن مقارنة يومنا بأفضل أيام الآخرين؛ فلكل حياةٍ ظروفها، ولكل إنسانٍ ما يظهره وما يحتفظ به لنفسه، والمقارنة الناقصة تُربك تقديرنا لما نملك.
وتظهر جمالية الحياة كذلك في قدرتها على تعديل نظرتنا، فقد يجعلنا ظرف صعب أرفق بغيرنا، وقد يُعلّمنا نجاح متأخر أن التوقيت ليس مقياسًا لقيمة الإنسان، غير أن هذه المعاني تحتاج إلى وقتٍ، ولا يصحُّ فرضها على كل تجربة، يكفي أحيانًا أن نعبر المرحلة بأقل أذًى، وأن نحتفظ بقدرتنا على الثقة والاهتمام، ولو على نحو أبطأ مما اعتدنا.
وهكذا لا تحتاج الدنيا إلى حكم نهائي نُصدره عليها بعد كل فرحٍ أو خيبةٍ، تحتاج إلى فهم يتسع لتناقضاتها، وإلى قلب يسمح للفرح بالحضور حين يأتي، ويمنح الحزن وقته حين يحلُّ. أما هدفنا فأن نُحسن العيش بما يُتاح لنا، ونصون إنسانيتنا خلال التحوُّلات؛ فلا تقودنا الراحة إلى الغفلة، ولا تحملنا الشدة على القسوة، وفي هذا الاتزان جمال واقعي، يمنح أيامنا قيمة دون أن يشترط لها الكمال.
ضوء
«تتسع التجربة حين نكتشف أن رغباتنا ليست صورتنا النهائية؛ فقد نحبُّ ما استبعدناه، ونأنس بما جهلناه، ونجد متعة في اختياراتٍ لم تخطر لنا؛ ذلك بعض جمال الحياة: أن تظلَّ معرفتنا بأنفسنا مفتوحة، وأن تبقى في أعمارنا فسحة للاكتشاف والتجدُّد».