د. سلطان مشعل
كثيرون هم الذين يتصورون أن السياسة تكمن في الاستحواذ على كرسي السلطة، أو التصرف في قرار الحكومة، أو التفرد بإدارة الصراعات بين الجبهات والجهات، أو التخندق في الوسط وتحريك الأطراف!
صحيح أن ذلك التصور قديم، لكنه لم يمنع بقاءه بوصفه فهماً متأخراً لدى نخب من المتأخرين. وليتهم اكتفوا بأن يكونوا، وفق ذلك التصور القديم، مجرد مُضَلَّلين فحسب، بل أصبحوا مُضَلِّلين أيضاً!
فالسياسة اليوم لم تعد تُمارَس فقط في القصور الرئاسية أو المرافق السلطوية، بل أصبحت تُمارَس في التصورات قبل المؤسسات، وفي اللغة قبل القوانين، وفي الثقافة قبل الجيوش، وفي العقل قبل النقل.
باختصار شديد: السياسة لم تعد مجرد إدارة.. بل أصبحت صناعة!
وهنا يبرز سؤال جوهري:
من يحكم فعلياً؟!
ليس بالضرورة من يجلس على كرسي السلطة، بل من يمتلك القدرة على:
- تشكيل الوعي.
- توجيه الرأي العام.
- صياغة الرواية.
- إنتاج المعرفة.
- امتلاك السردية.
فذلك هو أبرز الفاعلين السياسيين الحقيقيين في عصرنا.
أما كيف تُمارَس السياسة اليوم؟ فالإجابة أنها لم تعد فعلاً واحداً، بل منظومة متكاملة تتحرك عبر ستة مسارات:
أولاً: الفعل المباشر:
قرارات، وقوانين، وتحالفات، وحروب.
ثانياً: الفهم والتحليل:
قراءة الواقع، وتفسير الأحداث، واستشراف القادم.
ثالثاً: صناعة الوعي:
التعليم، والإعلام، والتنشئة.. وهنا تبدأ المعركة الحقيقية.
رابعاً: إنتاج المعرفة:
فمن يكتب النظرية، ويمتلك أدوات إنتاج المعرفة، ويسهم في تشكيل السردية، يستطيع التأثير في اتجاه العالم.
خامساً: الخطاب:
كلمة واحدة قد تُسقط نظاماً.. أو تبني أمة.
سادساً: الفن:
قصيدة، أو فيلم، أو كاريكاتير.. أحياناً يكون تأثيرها أبعد مدى من تأثير دبابة.
الحقيقة التي لا تُقال كثيراً هي أن الدول لا تنتصر لمجرد أنها الأقوى عسكرياً، بل لأنها الأقدر على توظيف قوتها سياسياً.
والذكاء السياسي اليوم لا يعني مجرد إدارة السلطة، بل يتجاوز ذلك إلى «إدارة الإدراك».
فمن ينجح في جعل الناس يرون العالم بالطريقة التي يريدها، ويفهمون الأحداث وفق السردية التي يقدمها، يكون قد كسب جانباً حاسماً من المعركة قبل أن تبدأ.
وللعلم، فإن العالم يعيش مرحلة تراجع احتكار السياسة التقليدية لمجالات الفعل والتأثير. وبمعنى آخر، انتهى زمن اختزال السياسة في حكومة أو برلمان أو انتخابات أو كراسٍ أو مؤسسات أو أحزاب.
نحن الآن في زمن:
- الحروب الناعمة.
- الصراع على الوعي.
- السيطرة عبر السرديات.
حيث يمكن لفكرة ما أن تهزم جيشاً، ولرواية ما أن تُسقط دولة، ولسردية ما أن تعيد تشكيل الحقائقَ وتغيّر الثوابت.
وبما أننا نستطيع القول: إن السياسة اليوم لم تعد حكراً على من يملك القوة، بل أصبحت أيضاً لمن يفهم كيف تُصنع القوة!
فإن من أبجديات هذا العصر التسليم بأن من لا يُتقن صناعة القوة «الجديدة» ولا يدرك أدواتها سيبقى مجرد متلقٍّ في عالم يكتبه الآخرون.
** **
كاتب وباحث سياسي - اليمن - عدن