عبد العزيز الموسى
إذا كانت السنة النبوية حجة، فكيف نعرف أنها وصلت إلينا بصورة يمكن الوثوق بها؟ هذا السؤال، قبل أن يكون جدلًا حول كتاب أو راوٍ، هو المدخل الأهم لفهم قضية السنة؛ لأن حجيتها شيء، وثبوت الرواية المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم شيء آخر. الأول يؤسسه القرآن داخل المنظومة الإسلامية، والثاني يتولاه علم الحديث بأدواته ومناهجه.
فالقرآن لم يقدم الرسول صلى الله عليه وسلم باعتباره ناقلًا للنص فحسب، وإنما جعله مبيّنًا له، وأمر بطاعته واتباعه، قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) وقال: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا). ومن هنا لا تكون السنة مصدرًا منفصلًا عن القرآن، بل البيان النبوي الذي يكشف كيفية تنزيل كثير من أحكامه على الواقع.
فالقرآن يأمر بالصلاة والزكاة والحج، لكنه لا يقدم في نصه التفصيلي هيئة الصلاة وعدد ركعاتها ومقادير الزكاة ومناسك الحج خطوة خطوة. جاءت السنة بالبيان العملي والقولـي، وتحول التشريع من نص مجرد إلى ممارسة متلقاة عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم عن أصحابه ومن بعدهم.
وهنا ينبغي التمييز بين السنة والسيرة. فالسيرة أوسع من جهة مادتها التاريخية، إذ تتناول حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأحداثها وملابساتها، بينما السنة التي يحتج بها في التشريع هي ما ثبت عنه من قول أو فعل أو تقرير مما يتصل بالبيان الشرعي. وليس كل فعل نبوي على رتبة واحدة من الإلزام؛ إذ يُنظر في دلالته وسياقه وقرائن التشريع فيه، وما كان من خصائصه صلى الله عليه وسلم أو من تدبيره البشري والسياقي فله حكمه الذي يقرره النظر الأصولي.
وتنشأ إحدى أهم الإشكالات الحديثة من الخلط بين تدوين السنة وظهور كتب الحديث المصنفة. فكون أشهر المصنفات الحديثية جاءت في القرنين الثاني والثالث الهجريين لا يعني أن الحديث ظل بلا كتابة حتى ظهرت تلك المصنفات.
وهذا ما نبه إليه العلامة مناظر أحسن الكيلاني في كتابه تدوين الحديث، الذي راجعه وخرّج أحاديثه الدكتور بشار عواد معروف، إذ ناقش الفكرة الشائعة التي تساوي بين كتابة الحديث وبين مرحلة التصنيف الكبرى. فالكتابة كانت واحدة من وسائل حفظ العلم منذ وقت مبكر، إلى جانب الحفظ والرواية والمذاكرة.
وتكشف الأخبار المبكرة عن صور متعددة لذلك. فقد أذن النبي صلى الله عليه وسلم لعبدالله بن عمرو بن العاص في كتابة ما يسمعه منه، وقال له: «اكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق». وكانت لعبدالله صحيفة عرفت في المصادر باسم «الصحيفة الصادقة». كما وردت كتب وصحف في الصدقات والفرائض، وكتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى بعض عماله وقبائله، وورد أمره في مكة: «اكتبوا لأبي شاه»، وهي شواهد لا تجعل الكتابة ظاهرة متأخرة عن عصر النبوة.
وفي الجيل التالي نجد بدورنا آثارًا مكتوبة؛ فصحيفة همام بن منبه عن أبي هريرة تمثل نموذجًا مبكرًا محفوظًا من التدوين الحديثي، كما كان بعض التابعين يكتبون ما يتلقونه عن الصحابة. وكتب جابر بن عبدالله، ونُقل عن ابن عباس أن له كتبًا، وكتب سعيد بن جبير عنه، كما عُرف عن نافع الكتابة عن ابن عمر. وتكاثرت هذه الممارسة حتى أصبحت جزءًا من أدوات التلقي والرواية.
وليس معنى ذلك أن كل حديث وصل إلينا كان يحمل معه مخطوطًا متصلًا من عصر النبوة إلى المصنفات اللاحقة؛ فهذا تعميم لا يثبت. المقصود أن اختزال تاريخ السنة في مرحلة الكتب المصنفة يتجاهل شبكة أوسع من الحفظ والكتابة والتلقي والمذاكرة وتعدد طرق النقل.
كما أن القرن الأول الهجري لم يكن فراغًا حديثيًا تنتظر فيه السنة قرنًا أو قرنين حتى تبدأ. فقد عاش عدد كبير من الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم عقودًا، وانتشروا في الأمصار، وتلقى عنهم التابعون مباشرة. وكان أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وأنس، وجابر، وعبدالله بن عمرو وغيرهم حلقات حية في انتقال المعرفة النبوية إلى الجيل التالي. ولم تكن العلاقة بين الصحابة والمصنفين المتأخرين قفزة مفاجئة، بل سلسلة متعاقبة من التلقي والرواية.
ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين التدوين والتصنيف. فابن شهاب الزهري يمثل محطة مهمة في حركة جمع الحديث وتدوينه في عهد عمر بن عبدالعزيز، لكنه لم يكن أول من كتب حديث النبي صلى الله عليه وسلم. وبعد ذلك ظهرت مصنفات أوسع، مثل الموطأ لمالك، ومؤلفات الشافعي، ومصنف عبدالرزاق، ومصنف ابن أبي شيبة، وغيرها، قبل أن تصل حركة التصنيف إلى مرحلة الصحيحين وسائر الكتب المشهورة.
وهنا يبرز حديث «لا تكتبوا عني» بوصفه اختبارًا حقيقيًا للمنهج، لا دليلًا جاهزًا لأي طرف. فقد أخرج مسلم الرواية بلفظ: «لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج...»، غير أن نقادًا من المتقدمين أعلّوا رفعها ورجحوا وقفها على أبي سعيد الخدري؛ ونقل الخطيب البغدادي أن همام بن يحيى تفرد بروايتها مرفوعة عن زيد بن أسلم، وأن المحفوظ روايتها عن أبي سعيد من قوله. وذكر أبو داود، كما نقل المزي، أن همامًا أخطأ فيها وأنها من قول أبي سعيد.
ولا يعني هذا إسقاط الرواية لمجرد اختلاف النقاد في رفعها ووقفها، وإنما يكشف شيئًا أهم: أن المحدثين لم يتعاملوا مع الروايات على أنها كتلة واحدة، بل فحصوا أسانيدها وطرقها، وقارنوا ألفاظها، وتتبعوا وجوه الاختلاف فيها. وفي المقابل ثبتت روايات الإذن بالكتابة، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم لعبدالله بن عمرو: «اكتب»، وقوله في قصة أبي شاه: «اكتبوا لأبي شاه». ولذلك فالمسألة تاريخيًا أوسع من الاستدلال برواية واحدة وإهمال بقية المادة الحديثية.
وهنا تتضح قاعدة منهجية أساسية: السؤال عن حجية السنة يبدأ من القرآن داخل المرجعية الإسلامية، أما السؤال عن ثبوت رواية بعينها فيبدأ من علم الحديث. وليس كل ما ثبت من السنة في درجة واحدة من اليقين؛ فالثبوت نفسه درجات، ومنهج المحدثين قائم على التمييز بينها.
ولهذا نشأت علوم الإسناد والرجال والجرح والتعديل ومعرفة العلل وتتبع الطرق ومقارنة الروايات ونقد المتون. ولم تكن هذه الأدوات نظامًا مكتملًا ظهر دفعة واحدة، بل تطورت مع تراكم الرواية واتساعها، حتى أصبح للمحدثين جهاز نقدي يتيح لهم الحكم على الروايات بدرجات مختلفة من الصحة والضعف.
ومن الخطأ، في المقابل، تحويل وجود روايات ضعيفة أو موضوعة إلى حجة على بطلان السنة؛ لأن وجود الرواية غير الصحيحة هو تحديدًا ما جعل النقد الحديثي ضرورة. فالحجية للسنة الثابتة، لا لكل رواية منسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن هنا يمكن فهم بعض الاعتراضات الحديثة التي تقول: إذا كان تدوين الحديث قد تأخر، فكيف نثق فيما وصل إلينا؟ الجواب لا يكمن في إنكار التأخر النسبي لبعض مراحل التصنيف، وإنما في تصحيح صورة التاريخ نفسه. فبين عصر النبوة وظهور المصنفات الكبرى امتد مسار من الحفظ والكتابة والتلقي والرواية، ثم الجمع والتصنيف والنقد. ولم تكن المسألة انتقالًا مفاجئًا من ذاكرة شفوية مجهولة إلى كتب مكتوبة، كما توحي بعض القراءات المبسطة.
وقد أثارت الدراسات الاستشراقية الحديثة أسئلة حول الذاكرة الشفوية ونشأة الحديث وتاريخ التدوين، ولا يصح اختزالها في مدرسة واحدة أو في دافع واحد. كما أن بعض الكتابات الإسلامية الحديثة أعادت إنتاج بعض هذه الأسئلة من داخل البيئة الإسلامية، لأسباب فكرية ومنهجية مختلفة. لكن السؤال الجاد لا يُجاب عنه بالاتهام ولا بالتخوين، وإنما بالعودة إلى المادة التاريخية نفسها ومناهج نقدها.
واللافت أن هذه المناهج لم تكن محاولة لإثبات صحة كل ما رُوي، بل كانت في جوهرها ممارسة للتمييز: هذا إسناده أقوى، وهذا دونه، وهذا محفوظ، وهذا معلول، وهذا له طرق متعددة، وهذا لا يثبت. ومن ثم فإن وجود علم كامل لتحديد درجات الرواية ليس دليلًا على غياب الضبط، بل دليل على أن قضية الضبط كانت في صميم الوعي الحديثي منذ وقت مبكر.
لذلك فالسؤال الصحيح ليس: متى ظهر أول كتاب للحديث؟ وإنما: كيف انتقل البيان النبوي، وكيف حفظه المسلمون، وكيف فحصوا طرقه وميّزوا صحيحه من غير صحيحه؟ عندئذ لا تكون كتب الحديث بداية القصة، بل ثمرة مسار طويل من التلقي والرواية والنقد والتصنيف.
فالقرآن أصل، صلى الله عليه وسلم مبيّن، والسنة الثابتة هي البيان النبوي المحقق؛ ومنهج الحديث هو الذي يميز هذا البيان الثابت من الروايات التي لا تثبت.
* * *
إلى اللقاء