خالد الأنصاري
سعدتُ بحضور اللقاء الدوري الكبير لقطاع الأوقاف، الذي أقامته الهيئة العامة للأوقاف بالرياض، يوم الأربعاء 19 ربيع الآخر 1448هـ، تحت شعار «تكامل وتمكين» وقد جمع اللقاء بين عرض الرؤى، والتعريف بالخدمات، وتبادل الخبرات، واستعراض تجارب وقفية رائدة؛ في مشهد يدعو إلى التأمل في منزلة الوقف، ومسؤولية القائمين عليه، والسبل التي تحفظ عطاءه وتوسّع أثره.
والوقف في أصله قربة إلى الله تعالى، تتصل بها مصالح العباد، ويستمر بها نفع المال بعد انقضاء حياة صاحبه؛ فهو يجمع بين ابتغاء الأجر؛ وحسن توجيه الثروة إلى أبواب البر. ومن أصول مشروعيته حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين استشار النبي صلى الله عليه وسلم في أرض أصابها بخيبر، فقال له: «إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها» متفق عليه.
وفي هذا التوجيه النبوي أصل جامع لمعنى الوقف: حفظ الأصل، وبذل منفعته في الوجوه التي أُوقف عليها.
ومن هنا، فإن بقاء الوقف مرتبط بحسن رعايته، كما أن بلوغ مقصده مرتبط بحسن صرف غلته؛ فلا تكمل العناية به بمجرد إنشائه، وإنما تستمر بصيانة أصوله، وتنمية موارده، وضبط إدارته، وإيصال منافعه إلى مستحقيها.
وتلك مسؤولية تتطلب اجتماع الأمانة والكفاءة؛ إذ قد تصدق النيَّة، ويقصر التدبير، فيضعف النفع الذي أراده الواقف.
وقد جاء شعار اللقاء «تكامل وتمكين» معبِّرًا عن حاجتين متلازمتين في العمل الوقفي؛ فالتكامل يجمع جهود الجهات ذات الصلة، ويوضح أدوارها، وييسّر إجراءاتها، ويصل الخبرة التنظيمية بالمعرفة الشرعية والإدارية والاستثمارية.
والتمكين يهيئ للمؤسسات الوقفية أسباب أداء رسالتها، من تأهيل الكفاءات، وتطوير الأدوات، وإتاحة الخدمات، ومعالجة ما يعترضها من تحديات.
وفي هذا السياق، برز الحديث عن تكامل الجهات الحكومية في تمكين الأوقاف، وعن رؤية الهيئة وأدوار قطاعاتها وخدماتها.
وتظهر قيمة هذا التكامل حين يلمس الناظر أثره في وضوح الإجراءات، وسهولة الوصول إلى الخدمة، وحسن معالجة الإشكالات؛ وحين يجد الواقف بيئة تعينه على إنشاء وقفه على بصيرة، وتجد المؤسسة الوقفية ما يساند نموها واستقرارها.
ومن المحاور المهمة في اللقاء عرض نماذج وممارسات رائدة في استدامة الوقف وتنمية أصوله واستثمارها؛ شملت وقف خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز لوالديه، ووقف الأمير متعب بن عبدالعزيز، ووقف الأميرة صيتة بنت عبدالعزيز، ووقف الشريف آل غالب، وأوقاف أبو غزالة الخيرية.
وتفتح هذه التجارب بابًا للنظر في معنى الاستدامة الوقفية؛ فالاستدامة تقتضي حفظ قدرة الوقف على الوفاء بمصارفه عبر الزمن، مع مراعاة ما يطرأ على الأصول من احتياجات، وما تتعرض له الموارد من تقلبات.
ولذلك تحتاج تنمية الوقف إلى تخطيط رشيد، وصيانة منتظمة، وتقدير للمخاطر، وموازنة بين حاجات المستفيدين في الحاضر وحقوق من يأتي بعدهم، في إطار الأحكام الشرعية وشروط الواقف والأنظمة ذات الصلة.
كما عرض اللقاء نماذج وممارسات في الحوكمة والإدارة المؤسسية وتعظيم أثر المصارف الوقفية؛ من أوقاف سليمان الراجحي، وأوقاف محمد الحبيب، وأوقاف محمد الماجد، وأوقاف محمد السبيعي الخيرية، وأوقاف عبدالقادر المهيدب.
والحوكمة في العمل الوقفي ترجمة عملية للأمانة؛ بها تتضح الصلاحيات، وتُضبط المسؤوليات، وتُوثّق القرارات، وتنتظم الرقابة والمساءلة؛ ويعزِّزها الإفصاح، وإدارة تعارض المصالح، وتقويم الأداء؛ فتكون المؤسسة أقدر على حماية أموال الوقف، والوفاء بمقصوده، واستمرار العمل عند تعاقب القائمين عليه.
أما تعظيم أثر المصارف الوقفية، فيقتضي العناية بما يحدثه الإنفاق في حياة المستفيدين، إلى جانب العناية بمقداره؛ فقد تكون المبادرة محدودة التكلفة، عظيمة النفع، إذا أحسنت تشخيص الحاجة، واختارت الوسيلة المناسبة، وتابعت نتائجها.
ومن ثمّ، فإن قياس الأثر يعين على تحسين توجيه الموارد في المصارف المقررة، ورفع كفاءة البرامج، ومعرفة ما تحقق من نفع؛ وما يحتاج إلى مراجعة وتطوير.
والإفادة من التجارب الرائدة تستدعي فهم أسباب نجاحها، والظروف التي عملت فيها، ومدى ملاءمتها لغيرها من الأوقاف؛ فلكل وقف حجمه، وأصوله، ومصارفه، وقدراته. وبذلك يصبح تبادل الخبرات سبيلًا إلى تطوير واعٍ، يستثمر التجربة ويحسن تنزيلها على الواقع.
ومن الفقرات الجميلة في اللقاء فقرة «تحت الضوء» والتي قدمها الإعلامي المتميز مفرح الشقيق؛ وجاءت حوارات بصوت القطاع، تطرح الأسئلة الملحّة، وتتيح الإجابة عن عدد من تساؤلات المعتنين بالأوقاف بشفافية.
وقد أكدت هذه الفقرة قيمة الحوار المباشر في بناء الثقة، وتوضيح الرؤى، وتقريب المسافة بين الجهات المعنية والعاملين في الميدان؛ فالسؤال الجاد يكشف موضع الحاجة، والإجابة الواضحة تعين على حسن الفهم والعمل.
وقد خرجت من هذا اللقاء بتقدير أعمق لما يمكن أن يقدمه الوقف الإسلامي من إسهام في التنمية؛ فهو رافد اقتصادي واجتماعي مهم، يوجّه المال إلى نفع مستمر، ويساند التعليم والصحة والرعاية وسائر أبواب البر، بحسب شروط الواقفين ومصارف أوقافهم.
وكلما اجتمع فيه صدق المقصد، وسلامة التأسيس، وكفاءة الإدارة، اتسعت دائرة نفعه، ورسخ أثره في المجتمع.
وختم محافظ الهيئة العامة للأوقاف الأستاذ عماد الخراشي حديثه بقوله: «إن الزمن يمضي ويبقى الأثر».
وهي عبارة تستوقف المتأمل في حقيقة الوقف؛ إذ تمضي الأعمار، وتتعاقب الأجيال، ويبقى من المال ما أحسن صاحبه توجيهه، ومن العمل ما امتد نفعه إلى الناس.
وهنا تتجلى مسؤولية الواقف والناظر والمؤسسة: أن يصونوا أسباب بقاء هذا الأثر، ويؤدوا أمانته، ويجعلوا من الخبرة والتكامل وسائل لدوام الخير.
إضاءة:
الوقف إحسان يمتد عبر الزمن؛ يبدأ بصدق نية الواقف، ويستمر بأمانة من يرعاه وكفاءته؛ فطوبى لمن جعل من ماله أصلًا محفوظًا، ومن نفعه خيرًا موصولًا، ومن حياته أثرًا يبقى بعد رحيله.