هيا الدوسري
أحيانًا أشبِّه الدول المتصارعة بالضرائر؛ تختلف اثنتان، فتتحالف إحداهما مع ثالثة لتُضعف الأخرى، فتذهب الثانية تبحث عن رابعة تساندها، ثم تتسع دائرة التحالفات والخصومات. لا واحدة منهن تحب الأخرى بالضرورة، ولكنهن يتفقن حين تتقاطع المصالح، ويفترقن حين تتعارض.
وهكذا تفعل الدول فلا صداقة دائمة ولا عداوة دائمة عندما تكون المصالح هي التي تدير المشهد.
قد يبدو التشبيه ساخرًا، لكن عند التأمل نجد أن السياسة الدولية لا تبتعد كثيرًا عن هذه الصورة؛ فالدول لا تبني علاقاتها على الحب والكراهية بالمفهوم الإنساني، وإنما على المصالح والنفوذ وموازين القوة. وقد يجلس خصمان بالأمس على طاولة واحدة اليوم لأن عدوًا مشتركًا ظهر بينهما، ثم يعودان إلى خلافهما متى انتهت المصلحة التي جمعتهما.
إن الدول تشبه الأفراد في السلوك التفاوضي، لا في المشاعر: إذا شعرت دولة بأن شريكًا يضغط عليها، توسع خياراتها؛ وإذا رأى الشريك أن نفوذه مهدد بسبب ظهور بديل قوي، يعيد حساباته ويقدم عروضًا أفضل.
فالضرة الذكية لا تغادر المجلس عند أول خلاف، بل تُبقي أبوابها مفتوحة، وتُشعر الآخرين بأن مقعدها ليس مرهونًا بمجلس واحد، ربما تجلس اثنتان منهما في مجلس واحد وتتبادلان الابتسامات، لا لأن تاريخ الخلاف انتهى، وإنما لأن هناك ضرة ثالثة أصبحت في تلك اللحظة أكثر إزعاجًا لهما، فإذا تغيرت الظروف، تغيرت التحالفات وعادت الحسابات القديمة إلى الواجهة.
لذلك، عندما نرى دولتين متباعدتين تتقاربان فجأة، أو حليفين قديمين تختلف مواقفهما، فلا ينبغي أن نتعجل بالسؤال: من يحب من؟ فالسؤال السياسي الأدق هو: ما الذي تغير في المصالح؟
ففي السياسة قد يتغير اللاعبون، وتتبدل التحالفات، وتتغير مواقع الجلوس على الطاولة، لكن الرجل الذي تتنافس عليه ضرائر العالم واحد تقريبًا: وهو المصلحة.