مهدي آل عثمان
تتجه منظومة التعليم في المملكة بخطوات متسارعة نحو رفع جودة المعلم وتأهيله، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في الارتقاء بجودة التعليم، وتحسين مخرجاته، وبناء كوادر تعليمية مؤهلة وقادرة على مواكبة التحولات الحديثة. وكان من أحدث هذه الخطوات إطلاق برنامج الماجستير المهني في التدريس، في توجه يعكس الحرص على أن يدخل الميدان التعليمي معلم أكثر تأهيلاً وتمكناً من أدوات التدريس الحديثة، وقادراً على الإسهام بفاعلية في تحسين نواتج التعلم.
وهذه خطوة مهمة تستحق التقدير، لكنها تفتح في الوقت ذاته باباً آخر لا يقل أهمية، إذا كنا نرفع سقف ما ننتظره من المعلم لتحقيق مستهدفات التعليم ورؤية المملكة، فهل حان الوقت أيضاً لإعادة النظر فيما نقدمه له.
فالمعلم مثلما عليه واجبات ومسؤوليات كبيرة، فله حقوق واحتياجات ينبغي أن تحظى بالاهتمام نفسه. والمعلم اليوم لم يعد ناقلاً للمعلومة فقط، بل أصبح مسؤولاً عن تعليم الطالب، وتنمية مهاراته، وقياس نواتج تعلمه، ومعالجة جوانب الضعف لديه، والتعامل مع التقنيات والمنصات الرقمية، والمشاركة في البرامج والأنشطة واللجان والخطط وعمليات التقويم المستمر، إلى جانب ما يحمله من مسؤوليات تربوية واجتماعية داخل المدرسة وخارجها.
ومع ارتفاع مستوى التوقعات المهنية من المعلم، أصبح من الطبيعي أن تتخذ الوزارة خطوات تطويرية تواكب هذه المتطلبات وترتقي بمستوى الممارسة المهنية في التعليم. ومن هنا يأتي تطوير تأهيل المعلمين ورفع كفاءتهم خطوة صائبة وفي مكانها، لما يمثله من استثمار مباشر في جودة التعليم ونواتجه.
وفي المقابل، فإن هذا التطوير ينبغي أن يصاحبه تطوير موازٍ في أوضاع المعلم الوظيفية والمعيشية، فلا يمكن أن نطالب بمعلم أكثر تأهيلاً، وأعلى كفاءة، وأكثر التزاماً، ثم نتوقف عن مراجعة المستوى المعيشي له والبيئة التي يعيش فيها، ومدى ما توفره له من استقرار ورضا وظيفي يساعدانه على أداء رسالته بكفاءة واقتدار.
وعلى إثر هذا التوجه نحو رفع مستوى المهنية في التعليم، أتاحت الوزارة أيضاً مسارات لمن يرى أنه لا يستطيع مواكبة متطلبات المرحلة المقبلة أو الاستمرار في تطوير أدواته وممارساته المهنية، من خلال خيارات التقاعد المبكر وبرامج الخروج الاختياري من الميدان، بما في ذلك المصافحة الذهبية لمن تنطبق عليه ضوابطها. وهي خيارات تتيح للمعلم اتخاذ القرار الذي يتناسب مع ظروفه وقدرته على الاستمرار، وفي الوقت نفسه تفتح المجال أمام كوادر أكثر استعداداً لمواكبة متطلبات المهنة والإسهام في رفع جودة التعليم وتحسين نواتجه ومخرجاته.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى فتح عدد من الملفات التي تمس حياة المعلم واستقراره بصورة مباشرة، وفي مقدمتها التأمين الصحي للمعلمين وأسرهم. فوجود تأمين صحي مناسب لا يمثل مجرد ميزة إضافية، بل يسهم في تعزيز الأمان والاستقرار الأسري، ويخفف كثيراً من الأعباء والقلق المرتبطين بتكاليف العلاج والحصول على الخدمات الصحية. وإذا كانت قطاعات مختلفة توفر لموظفيها برامج تأمين صحي متفاوتة المستويات، فإن المعلم الذي يؤدي رسالة ترتبط ببناء الإنسان يستحق أن يكون هذا الملف ضمن أولويات تطوير مزاياه الوظيفية.
كما أن بدل النقل يحتاج إلى إعادة قراءة في ضوء المتغيرات المعيشية الحالية، ولا سيما أن عدداً كبيراً من المعلمين والمعلمات يقطعون مسافات يومية للوصول إلى مدارسهم، وبعضهم يعمل بعيداً عن مقر سكنه. ومن الطبيعي أن تخضع البدلات للمراجعة الدورية حتى تتوافق مع التكاليف الفعلية التي يتحملها الموظف، بدلاً من بقائها عند مستويات قد لا تعكس بصورة دقيقة واقع التكاليف ومتغيرات الحياة.
ويأتي كذلك ملف العلاوة السنوية وسلم الرواتب ضمن الملفات التي تستحق الدراسة. فالمسألة لا تتعلق بالعلاوة في حد ذاتها فقط، بل بمسار النمو الوظيفي للمعلم خلال سنوات خدمته، ومدى مواكبة راتبه لتزايد خبرته وتأهيله ومسؤولياته، وما يطرأ على تكاليف المعيشة من تغيرات. فكلما ازداد تأهيل المعلم، وتوسعت مسؤولياته، وارتفع سقف التوقعات منه، أصبح من المهم أن يكون هناك مسار وظيفي ومالي أكثر ارتباطاً بالنمو المهني والكفاءة والخبرة.
ومن الاحتياجات التي يمكن دراستها أيضاً برامج الإسكان الخاصة بالمعلمين، سواء من خلال تسهيلات تمويلية، أو شراكات مع الجهات المختصة، أو برامج تمنح المعلم مزايا تساعده على امتلاك المسكن. فالسكن يمثل أحد أكبر الالتزامات المالية التي تواجه الأسرة، والمساهمة في تسهيل حصول المعلم عليه من شأنها أن تعزز استقراره الاجتماعي والوظيفي، دون أن يعني ذلك بالضرورة تحميل الدولة كامل تكاليف السكن، وإنما إيجاد نماذج عملية ومحفزة تسهم في تخفيف هذا العبء.
ولا ينبغي أن يقتصر الاهتمام بالمعلم على الجانب المالي وحده، فهناك احتياجات مهنية لا تقل أهمية، من بينها تخفيف الأعباء الإدارية غير المرتبطة مباشرة بالتدريس، وتوفير فرص تطوير مهني نوعي، وتقدير المعلمين المتميزين، وإيجاد مسارات واضحة للترقية والتخصص، والاستفادة بصورة أكبر من المعلمين الحاصلين على درجتي الماجستير والدكتوراه، ومنحهم أدواراً تتناسب مع تأهيلهم وخبراتهم.
فالوزارة حين تستثمر في تأهيل المعلم إنما تستثمر في الطالب في نهاية المطاف، لأن جودة المعلم وجودة الممارسة التعليمية من أهم الممكنات التي تقود إلى تحسين نواتج التعلم وتعزيز جاهزية القدرات الوطنية للمستقبل.
وهنا تصبح المعادلة أكثر وضوحاً؛ معلم مؤهل، وبيئة عمل جيدة، واستقرار وظيفي ومعيشي، وتقدير مهني مناسب، يقابل ذلك مسؤولية أكبر، ومساءلة أدق عن الأداء والنتائج. فالحقوق والواجبات لا يتعارضان، بل يكمل أحدهما الآخر، ولا يمكن بناء مهنة تعليمية قوية بالحديث عن جانب دون الآخر.
وحين يشعر المعلم بأن المؤسسة التي يعمل فيها تستثمر في تطويره، وتحمي استقراره، وتقدر جهده، وتمنحه المقابل الذي يتناسب مع حجم مسؤوليته وتأهيله، فإن ذلك يهيئ بيئة أكثر قدرة على تعزيز الرضا الوظيفي والانتماء المهني، ويمنحه مساحة أكبر للتركيز على رسالته الأساسية داخل الفصل، بدلاً من استنزافه في أعباء جانبية لا ترتبط مباشرة بجوهر العملية التعليمية.
ونحن اليوم أمام مرحلة جديدة تتطلع فيها المملكة إلى تعليم أكثر جودة وتنافسية، وهذا لن يتحقق بالمناهج والمنصات والاختبارات وحدها، مهما بلغت جودتها؛ فالمعلم يظل العنصر الأكثر تأثيراً في تحويل الخطط إلى ممارسة، والمناهج إلى معرفة، والأهداف إلى نواتج تعلم حقيقية.
لذلك، فإن تطوير متطلبات مهنة التعليم ينبغي أن يوازيه مشروع متكامل لتطوير حياة المعلم المهنية والمعيشية، يقوم على مراجعة سلم الرواتب وفق المتغيرات، وعلاوة محفزة، وتأمين صحي مناسب، وبدل نقل واقعي، وبرامج تساعد على الاستقرار السكني، وتطوير مهني مستمر، ومسارات واضحة للنمو والتخصص، وتقدير يتناسب مع حجم الرسالة التي يؤديها.
فإذا أردنا من المعلم أن يعطي أكثر، فعلينا أن نوفر له البيئة التي تساعده على العطاء أكثر؛ لأن الاستثمار في استقراره وتطويره ورضاه الوظيفي لا ينعكس عليه وحده، بل يعود أثره على الطالب، والمدرسة، وجودة التعليم، ومستقبل الوطن.