د. عبدالله بن محمد بن عبدالعزيز الفاضل
في الاقتصاد الحديث، لم يعد النجاح مرتبطًا بحجم رأس المال أو عدد الأصول فحسب، بل بقدرة المؤسسات والمشروعات على صناعة القيمة. والقيمة اليوم تتجاوز المنتج المادي إلى الفكرة، والحل، والتجربة، والأثر الذي يتركه المشروع في السوق والمجتمع. ومن هنا يلتقي الاستثمار بريادة الأعمال في معادلة واحدة: تحويل الأفكار والفرص إلى مشروعات قادرة على النمو، وصناعة قيمة اقتصادية مستدامة.
تتجه الاقتصادات المعاصرة نحو المشروعات القادرة على تقديم حلول حقيقية، لا مجرد منتجات تقليدية؛ فالقيمة تُصنع حين ينجح المشروع في معالجة مشكلة قائمة، أو سد فجوة في السوق، أو تقديم تجربة جديدة تلبي حاجة حقيقية لدى المستفيد. ومن هنا لا تبدأ القيمة من حجم المشروع أو رأس المال الذي أُنشئ به، وإنما من جودة الفكرة وقدرتها على تحويل الحاجة إلى فرصة، والفرصة إلى منتج أو خدمة ذات أثر.
يمثل الاستثمار، ولا سيما الاستثمار الجريء، أحد المحركات المهمة لصناعة القيمة؛ فهو لا يوفر التمويل للمشروعات الناشئة فحسب، بل قد يفتح لها أسواقًا جديدة، ويتيح لها الخبرة والشراكات، ويساعدها على النمو والتوسع.
وحين يتجه رأس المال إلى المشروعات ذات الأفكار القابلة للنمو، فإنه يسهم في تحويل الابتكار من فكرة واعدة إلى مشروع منتج، ويمنح رواد الأعمال فرصة أكبر لاختبار أفكارهم وتطويرها وتحقيق أثر اقتصادي مستدام.
ولا يقتصر دور المستثمر على توفير رأس المال، فالمستثمر الواعي قد يضيف إلى المشروع ما هو أبعد من التمويل؛ من الخبرة والمعرفة، إلى العلاقات والشراكات، وفتح قنوات الوصول إلى الأسواق. ولذلك فإن نجاح الاستثمار في المشروعات الناشئة لا يقاس بحجم التمويل وحده، وإنما بقدرته على مساعدة المشروع في الانتقال من مرحلة الفكرة والتجربة إلى مرحلة النمو والتوسع.
وكلما ارتبط التمويل بالخبرة والإرشاد، ازدادت قدرة المشروع على تحويل موارده إلى قيمة قابلة للنمو والاستدامة.
رائد الأعمال هو من يرى في المشكلة فرصة، وفي الحاجة مجالًا للابتكار.
وريادة الأعمال اليوم لا تقتصر على تأسيس مشروع، وإنما تقوم على القدرة على تحويل الفكرة إلى نموذج عمل قابل للنمو والاستدامة، ثم تطويره بما يواكب احتياجات السوق.
ومن هنا تبرز أهمية الحاضنات والمسرّعات وبرامج الدعم التي تساعد رواد الأعمال على اختبار أفكارهم، وتطوير نماذج أعمالهم، والوصول إلى السوق، بما يعزز فرص تحول الأفكار الواعدة إلى مشروعات منتجة وقيمة اقتصادية مستدامة.
حين يلتقي رأس المال بالفكرة القابلة للنمو، وتلتقي خبرة المستثمر برؤية رائد الأعمال، تتكوّن معادلة صناعة القيمة. فالتكامل بين التمويل والابتكار وريادة الأعمال لا يهدف إلى إنشاء مشروعات جديدة فحسب، بل إلى بناء مشروعات قادرة على النمو، وخلق الوظائف، وتقديم حلول جديدة، وتحقيق أثر اقتصادي واجتماعي مستدام. ومن هنا يصبح الاستثمار وريادة الأعمال شريكين في صناعة اقتصاد أكثر ابتكارًا وتنوعًا وقدرة على المنافسة.
تشهد والمملكة العربية السعودية-حفظها الله تعالى- تحولًا اقتصاديًا واسعًا يفتح مساحات متنامية لصناعة القيمة، في ظل ما توفره رؤية السعودية 2030 من بيئة داعمة للاستثمار وريادة الأعمال، وتمكين القطاع الخاص والمنشآت الصغيرة والمتوسطة. وقد تجاوز عدد المنشآت الصغيرة والمتوسطة في والمملكة العربية السعودية -حفظها الله تعالى- 1.7 مليون منشأة، وأسهمت بنحو 22.9 % من الناتج المحلي، فيما تجاوز عدد المنشآت الصغيرة والمتوسطة المملوكة لشباب سعوديين 474 ألف منشأة، وفق أحدث البيانات المنشورة في تقرير رؤية السعودية 2030 لعام 2025. كما تشير بيانات «منشآت» إلى أن الشباب يمثلون نحو 38 % من ملاك السجلات التجارية القائمة، وهي مؤشرات تعكس اتساع قاعدة ريادة الأعمال ودورها المتنامي في الاقتصاد الوطني.
وهنا تبرز الفرصة أمام رواد الأعمال والمستثمرين لتحويل المعرفة والتقنية والأفكار الجديدة إلى مشروعات قابلة للنمو، قادرة على تقديم حلول مبتكرة، وخلق فرص عمل، والإسهام في تنويع الاقتصاد وتعزيز تنافسيته.
فالمطلوب ليس زيادة عدد المشروعات فحسب، وإنما بناء مشروعات تصنع قيمة حقيقية وتستطيع أن تنمو وتتوسع وتتجاوز حدود السوق المحلي.
إن الاستثمار وريادة الأعمال لم يعودا مسارين اقتصاديين منفصلين، بل أصبحا شريكين في صناعة القيمة وبناء اقتصاد أكثر تنوعًا وقدرة على مواجهة المتغيرات. فحين يجد رأس المال فكرةً مبتكرة، ويجد رائد الأعمال بيئةً داعمة، تتحول الأفكار إلى مشروعات، والمشروعات إلى فرص، والفرص إلى قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة.
والمملكة العربية السعودية -حفظها الله تعالى- بما تشهده من تحول اقتصادي وتنموي، تملك فرصة واسعة لتعزيز هذه المعادلة، ولا سيما مع تنامي دور الشباب، واتساع مجالات الابتكار، وتطور البيئة الاستثمارية وريادة الأعمال.
توصية: من تمويل المشروعات إلى بناء منظومة صناعة القيمة
ولتعظيم الأثر الاقتصادي للاستثمار وريادة الأعمال، فإن الحاجة لا تقتصر على زيادة التمويل أو عدد المشروعات، وإنما تمتد إلى بناء منظومة متكاملة تبدأ من اكتشاف الأفكار الواعدة، وتمر بالتأهيل والإرشاد والتمويل، وتنتهي بتمكين المشروعات من الوصول إلى الأسواق والتوسع والاستدامة. ومن المهم كذلك تعزيز الشراكة بين الجهات الحكومية والمستثمرين والجامعات ومراكز الابتكار والحاضنات والمسرّعات؛ بما يتيح لرواد الأعمال الاستفادة من المعرفة والخبرة إلى جانب رأس المال.
كما أن من المهم توجيه جانب من الاهتمام إلى المشروعات القابلة للتوسع والتنافس خارج السوق المحلي، وتشجيع الابتكار والاستفادة من التقنيات الحديثة، حتى لا تكون الغاية مجرد تأسيس مشروعات جديدة، وإنما بناء شركات وطنية قادرة على صناعة القيمة، وخلق الوظائف، وتقديم منتجات وخدمات تنافسية، والإسهام في تنويع الاقتصاد الوطني.
الخاتمة:
إن الاستثمار وريادة الأعمال لم يعودا مسارين اقتصاديين منفصلين، بل أصبحا شريكين في صناعة القيمة وبناء اقتصاد أكثر تنوعًا وقدرة على مواجهة المتغيرات. فحين يجد رأس المال فكرةً مبتكرة، ويجد رائد الأعمال بيئةً داعمة، تتحول الأفكار إلى مشروعات، والمشروعات إلى فرص، والفرص إلى قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة.
والمملكة العربية السعودية -حفظها الله تعالى- بما تشهده من تحول اقتصادي وتنموي، تملك فرصة واسعة لتعزيز هذه المعادلة، ولا سيما مع تنامي دور الشباب، واتساع مجالات الابتكار، وتطور البيئة الاستثمارية وريادة الأعمال.
فالمستقبل لا تصنعه وفرة الموارد وحدها، وإنما تصنعه القدرة على تحويل الأفكار إلى قيمة، والاستثمار إلى أثر، والطموح إلى مشروعات مستدامة. وهذه هي روح الاستثمار وريادة الأعمال في اقتصاد يتجه نحو المستقبل.
ونسأل الله تعالى أن يحفظ ولاة أمرنا، ويوفقهم لكل ما فيه خير الوطن والمواطن، وأن يحفظ بلادنا من كيد الكائدين وحقد الحاقدين، ويديم عليها نعمة الأمن والاستقرار والرخاء. كما نسأله سبحانه أن يوفق رجال الأعمال والمستثمرين ورواد الأعمال إلى كل خير، وأن يجعل التوفيق حليفهم، ويسدد خطاهم، ويبارك في جهودهم ومشروعاتهم، وأن يجعل استثماراتهم ومبادراتهم عونًا على تنمية الوطن، وخلق الفرص، وصناعة مستقبل أكثر ازدهارًا.
فحين تتحول الأفكار إلى قيمة، والطموحات إلى مشروعات، والاستثمارات إلى أثر، يصبح الاقتصاد شريكًا حقيقيًا في صناعة المستقبل.
** **
أستاذ الدراسات العليا بقسم الدعوة، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقًا