عبدالعليم مبارك
لم يعد التسوّق في زمننا رحلةً تبدأ بالخروج من البيت وتنتهي بحمل الأكياس إليه، فقد صار الزبون يقلّب السلع وهو مستلقٍ على أريكته، ويقارن الأسعار بين عشرات العارضين في دقائق معدودة، ثم يضغط زرًّا واحدًا فيصله ما اشتراه إلى عتبة داره.
هذا التحوّل الهادئ في ظاهره، العميق في أثره، هو الوجه الأبرز لما يُعرف بالاقتصاد الرقمي، وهو اقتصاد لا يقوم على الأرصفة والواجهات الزجاجية، بل على المنصات والبيانات وخوارزميات تعرف ما تريد قبل أن تعرفه أنت، وقد أعاد هذا الاقتصاد رسم خريطة التبادل التجاري من جذورها، فأصبحت القيمة تتولّد من المعلومة والسرعة وسهولة الوصول، لا من موقع المحل وحده ولا من مساحة عرضه.
وفي قلب هذا المشهد يقف النمو المتسارع للتسوّق الإلكتروني، الذي لم يعد خيارًا تكميليًّا تلجأ إليه الفئات الشابة، بل صار عادة راسخة تتسع دائرتها عامًا بعد عام، فقد ساهم انتشار الهواتف الذكية وتحسّن شبكات الاتصال وتنوّع وسائل الدفع الإلكتروني في إزالة الحواجز النفسية والتقنية التي كانت تفصل المستهلك عن الشراء عن بُعد.
وجاءت الجائحة لتعجّل ما كان سيستغرق سنوات، إذ وجد ملايين الناس أنفسهم مضطرين إلى تجربة ما كانوا يترددون فيه، فاكتشف كثير منهم أن الراحة والتوفير في الوقت لا يقلّان قيمة عن السعر نفسه، ومن هنا تشكّلت قاعدة جديدة من الزبائن لا تنوي العودة إلى الوراء، وإن عادت إلى المحلات أحيانًا فبوصفها خيارًا لا ضرورة.
أما المتاجر التقليدية، فقد وجدت نفسها أمام اختبار قاسٍ لا يرحم من يتأخر في فهمه، فمن كان يعتمد على موقعه في شارع تجاري مزدحم اكتشف أن الزحام لم يعد يعني مبيعات، وأن الإيجار المرتفع والعمالة والمخزون الراكد أعباء تنافس بها متاجرُ إلكترونية لا تتحمل كلفتها. غير أن القول بأن المحل التقليدي يحتضر تبسيطٌ مخلّ، فالواقع أكثر تعقيدًا وأقل حتمية، فثمة متاجر نجحت في التكيّف حين جمعت بين حضورها الفعلي وواجهتها الرقمية، فصارت تتيح الطلب من الهاتف والاستلام من الفرع، وتحوّل المحل عندها من مجرد نقطة بيع إلى مساحة تجربة ولقاء. وفي المقابل سقطت متاجر كثيرة لأنها تعاملت مع الرقمنة كأنها موجة عابرة يمكن انتظار انحسارها، فدفعت ثمن هذا الاعتقاد زبائنَ لا يعودون.
ولعل أخطر ما أحدثه هذا التحول لا يكمن في الأسعار ولا في أساليب التوصيل، بل في سلوك المستهلك ذاته، فالمشتري اليوم أكثر اطلاعًا وأقل ولاءً، إذ يقرأ تقييمات الآخرين قبل أن يقرأ وصف البائع، ويثق بتجربة غريب كتب مراجعته أكثر مما يثق بإعلان مدفوع وصار يتوقع الاستجابة الفورية والإرجاع السهل والعرض المخصّص، حتى غدا أي تقصير في ذلك سببًا كافيًا لتركه المتجر إلى منافس لا يبعد عنه سوى نقرة. كما أن الإعلانات الموجّهة وتوصيات المنصات باتت تشارك في صياغة رغباته، فيشتري أحيانًا ما لم يكن في حسبانه، ويتولّد عنده استهلاك اندفاعي تغذّيه سهولة الدفع وغياب الإحساس الملموس بالمال.
وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: فمزيد من الخيارات لا يعني دائمًا مزيدًا من الرضا، وقد يتحول الوفر في الوقت إلى فيض في الإنفاق.
وفي المحصّلة، فإن الاقتصاد الرقمي لا يفرض على المجتمعات خيارًا بين القديم والجديد بقدر ما يفرض عليها مسؤولية الاستعداد، فالدول التي تُحسن بناء بنيتها التحتية للدفع والتوصيل، وتحمي المستهلك من الغش وتحمي بياناته من الاستغلال، وتدعم التجار الصغار في الانتقال الرقمي، هي التي ستجني ثمار هذا النمو بدل أن تكتفي بدور المستورد والمتفرج.
أما التاجر فعليه أن يدرك أن المنافسة لم تعد على السعر وحده، بل على الثقة والتجربة والقدرة على فهم الزبون، وأما المستهلك فمطالَب بوعي جديد يوازن بين متعة الشراء السهل وحكمة الإنفاق المدروس، فالمستقبل لن يكون لمن يملك أكبر متجر ولا لمن يملك أجمل موقع، بل لمن يفهم أن السوق، في جوهره، علاقة بين إنسان وحاجة، وأن الشاشة ليست سوى وسيلة جديدة لعملية الشراء والبيع.