د.عبدالله الفايز
أدت التطورات الأخيرة في عالم الطاقة والنقل والبنية التحتية إلى إعادة التفكير في الطريقة التي ننقل بها النفط والغاز والمياه لمسافات طويلة. فالنظام التقليدي لنقل النفط يعتمد بصورة أساسية على خطوط أنابيب كبيرة ذات أقطار ضخمة، ومحطات ضخ متتابعة، وخزانات وسيطة، وأنظمة تحكم ومراقبة تمتد لمسافات طويلة. وقد أثبت هذا النموذج فعاليته خلال عقود طويلة، إلا أن الاعتماد على خط رئيس واحد أو عدد محدود من الخطوط الكبيرة يجعل منظومة النقل مرتبطة بدرجة كبيرة بسلامة هذه الخطوط واستمراريتها، كما أن إنشاء خط واحد ضخم لمسافة طويلة يتطلب استثمارات كبيرة وحماية ومراقبة وصيانة مستمرة. ومن هنا يمكن التفكير في نموذج مختلف تماماً، لا يقوم على استبدال أنبوب النفط التقليدي بأنبوب آخر أكبر، وإنما على الانتقال من مفهوم «الخط الواحد» إلى مفهوم «الشبكة الذكية» التي تتكون من عدد هائل من خطوط النقل الصغيرة والمتوازية والمترابطة. والفكرة التي أطرحها هنا هي تصور مستقبلي يمكن أن يتطور مع تقدم تقنيات المواد والنانو والموائع الدقيقة وأنظمة الضخ والطاقة الشمسية، بحيث يتم تجميع النفط المنتج من الآبار المنتشرة في شرق وجنوب المملكة داخل شبكة إقليمية من خطوط بأنابيب صغيرة بالآلاف (ألياف أنابيبية- فايبر بايبز)، ولكل منها مضخة خاصة تعمل بالطاقة الشمسية ثم تتجه هذه الشبكة تدريجياً نحو خزانات كبيرة كنقطة تجميع مركزية في وسط المملكة، ومنها تستمر باتجاه غرب المملكة للوصول إلى منشآت ساحلية على البحر الأحمر، سواء في منطقة ينبع أو في منطقة شمال جدة وآخر مستقبلا إلى جيزان للنقل إلى آسيا. ويتم ذلك بحسب الموقع الذي تثبته الدراسات الهندسية والاقتصادية والجغرافية باعتباره الأنسب والأقصر ومنخفض المستوى. ولا أقصد بهذا التصور إنشاء آلاف الأنابيب النانوية بالمعنى الحرفي الذي تستخدم فيه الأنابيب ذات الأبعاد النانوية لنقل كميات ضخمة من النفط الخام، فهذا ما زال تحت الدراسة، وإنما أقصد تصوراً مستقبلياً يمكن أن تستفيد فيه منظومة النقل من تصغير أقطار قنوات النقل بصورة كبيرة، واستخدام عدد كبير جداً من الخطوط المتوازية، بحيث تتحول القدرة الاستيعابية الكلية إلى مجموع قدرات عدد هائل من القنوات الصغيرة.
وقد يبدو هذا التصور للوهلة الأولى أكثر تعقيداً من إنشاء أنبوب نفط تقليدي واحد، إلا أن التطور في تقنيات التصنيع والمواد والأنظمة الرقمية قد يجعل من الممكن مستقبلاً بناء شبكات نقل موزعة بدلاً من الاعتماد على خط واحد رئيس. ويمكن تشبيه الفكرة، بصورة مبسطة، بالشعيرات الدموية في جسم الإنسان؛ فالجسم لا يعتمد على أنبوب واحد ضخم لنقل الدم، وإنما على شبكة هائلة من الأوعية ذات الأحجام المختلفة، تبدأ بشرايين كبيرة ثم تتفرع إلى أوعية أصغر فأصغر، ثم تعود إلى شبكات التجميع. والهدف هنا ليس تقليد جسم الإنسان حرفياً، وإنما الاستفادة من المبدأ الهندسي المتمثل في توزيع التدفق على عدد كبير من المسارات بدلاً من تركيزه بالكامل في مسار واحد. وبذلك يمكن تصور شبكة النفط السعودية المستقبلية على شكل طبقات. تبدأ الطبقة الأولى عند الآبار النفطية نفسها، حيث يتم جمع الإنتاج من الحقول المتوزعة في المناطق الشرقية والجنوبية عبر خطوط تجميع قصيرة نسبياً. ثم تنتقل التدفقات إلى خطوط إقليمية أكبر قليلاً، وتتجمع هذه الخطوط تدريجياً في عقد وخزانات في أعلى مستوى لتسهيل ميولها لتجري بدون ضخ رئيسة. ومن هذه العقد تنتقل الكميات إلى محور مركزي داخل المملكة، يمكن أن يمثل نقطة تجميع وتحكم رئيسة قبل أن يبدأ الجزء الغربي من الشبكة باتجاه البحر الأحمر. وبذلك لا يصبح لدينا «أنبوب واحد من الخليج إلى البحر الأحمر»، وإنما شبكة وطنية مترابطة تستطيع توجيه النفط من مصادر متعددة إلى مسارات متعددة ثم إلى أكثر من منشأة تخزين وتصدير.
والجزء الأكثر إثارة في هذا التصور هو استخدام عدد كبير جداً من الأنابيب أو القنوات الصغيرة المتوازية بدلاً من الاعتماد على قطر واحد ضخم. فإذا كانت القدرة المطلوبة لنقل كمية معينة من النفط تساوي مجموع تدفقات مئات أو آلاف أو ملايين القنوات الصغيرة، فإن تعطل إحدى القنوات لا يعني بالضرورة توقف المنظومة بأكملها. يمكن للنظام الذكي أن يغلق القناة المتضررة ويعيد توزيع التدفق على القنوات الأخرى، تماماً كما تستطيع شبكة كهرباء ذكية أو شبكة اتصالات متقدمة إعادة توجيه الحركة عند تعطل أحد المسارات. وهنا يمكن أن تدخل تقنيات النانو والمواد المتقدمة بصورة أكثر واقعية. فالمقصود ليس بالضرورة أن يكون النفط نفسه ماراً في أنبوب نانوي قطره بضعة نانومترات، لأن ذلك سيؤدي إلى مقاومة هيدروديناميكية كبيرة جداً عند نقل كميات ضخمة لمسافات طويلة. وإنما يمكن استخدام المواد النانوية والطلاءات المتقدمة لتصنيع أسطح داخلية ذات احتكاك منخفض ومقاومة عالية للتآكل والترسبات، أو لتطوير أغشية ومواد ذكية تستطيع التعامل مع بعض مكونات النفط، أو لتحسين خصائص العزل والمراقبة والاستشعار. ويمكن أيضاً أن تتطور مستقبلاً تقنيات تصنيع قنوات دقيقة ذات قدرة عالية على تحمل الضغط والحرارة والمواد الكيميائية، بحيث يصبح مفهوم «الأنبوب الدقيق» جزءاً من منظومة النقل وليس مجرد تجربة مختبرية. ومن هنا تأتي أهمية الطاقة الشمسية. فالمملكة تمتلك مساحات واسعة ذات مستويات عالية من الإشعاع الشمسي، ويمكن أن تصبح الطاقة الشمسية جزءاً من منظومة تشغيل محطات الضخ والتحكم والمراقبة على طول المسار. ولا يعني ذلك أن كل مضخة يجب أن تعمل بصورة مستقلة تماماً بالطاقة الشمسية، وإنما يمكن إنشاء محطات شمسية مرتبطة بمحطات الضخ، مع أنظمة تخزين كهربائي وشبكات كهربائية مساندة، بحيث تستمر عمليات النقل بصورة مستقرة ليلاً أو أثناء انخفاض الإنتاج الشمسي. ويمكن أيضاً تصميم المحطات بحيث يكون بعضها منتجاً للطاقة أكثر من حاجته المباشرة، فتوجه الطاقة الزائدة إلى التخزين أو إلى المحطات التالية.
وتصبح الخزانات المرحلية عنصراً أساسياً في هذا النظام، خصوصاً بسبب اختلاف مناسيب الأرض على طول المسار بين شرق المملكة ووسطها ثم غربها. فبدلاً من محاولة دفع النفط مباشرة لمسافة طويلة عبر مسار متغير الارتفاع، يمكن تقسيم الرحلة إلى قطاعات هيدروليكية مستقلة نسبياً، تفصل بينها خزانات ومحطات ضخ وتحكم ويكون موقعها في أعلى مستوى في وسط المملكة وبحيث يكون مستواها أعلى بكثير من مستوى البحر. وبذلك يمكن تدفق النفط حسب قاعدة الأواني المستطرقة لينحدر مدفقا بدون حاجة لمضخات ما أمكن. وتعمل هذه الخزانات بوصفها نقاطاً لتوازن التدفق والضغط، كما يمكن أن توفر مخزوناً مؤقتاً يسمح باستمرار النظام حتى عند حدوث توقف مؤقت في أحد القطاعات. وفي المناطق المرتفعة يمكن استخدام محطات رفع متدرجة، بينما يمكن في المناطق المنخفضة الاستفادة من فرق المناسيب ضمن الحدود الآمنة التي تسمح بها الخصائص الهيدروليكية للمنظومة. وهذا يقود إلى فكرة مهمة في التصميم، وهي ألا يكون المسار مجرد خط أفقي يصل بين الشرق والغرب، وإنما منظومة هندسية ثلاثية الأبعاد تأخذ في الاعتبار التضاريس والارتفاعات والانحدارات ومواقع الحقول ومراكز التجميع ومصادر الطاقة ومواقع التخزين وموانئ التصدير. ويمكن استخدام نظم المعلومات الجغرافية والتوأم الرقمي والنماذج الهيدروليكية والمحاكاة الحاسوبية لاختيار المسار الأمثل قبل تنفيذ أي جزء من المشروع. وفي هذه الحالة يصبح تصميم شبكة نقل النفط مسألة تكامل بين التخطيط المكاني والطاقة والهندسة والهيدروليكا والاقتصاد والبيئة والأمن والسلامة. ويمكن أن يكون النظام مشابهاً من حيث المبدأ لشبكات نقل الغاز الحديثة، حيث لا ينظر إلى خط النقل باعتباره مجرد أنبوب بين نقطتين، وإنما باعتباره شبكة من المصادر ومحطات المعالجة والضغط والتخزين ونقاط التوزيع والتحكم. وفي نظام النفط المقترح يمكن أن تكون الآبار هي مصادر التدفق، ومحطات التجميع هي العقد الأولى، ومحطات الضخ هي نقاط التحكم في الضغط، والخزانات هي نقاط الموازنة والتخزين، ومراكز التحكم الرقمية هي العقل الذي يراقب الشبكة بأكملها، بينما تمثل منشآت البحر الأحمر نقطة النهاية للتخزين والتصدير أو المعالجة.
ويمكن أن تكون إحدى أهم خصائص هذه الشبكة هي قابليتها للتقسيم والعزل. فإذا حدث تسرب أو عطل أو انخفاض في الضغط في قطاع معين، يستطيع النظام الرقمي تحديد الموقع وإغلاق مجموعة محددة من القنوات وتحويل التدفق إلى مسارات بديلة. وبدلاً من إيقاف خط كامل يمتد مئات الكيلومترات، يمكن عزل جزء صغير من الشبكة واستمرار بقية المنظومة. وهذا المبدأ لا يلغي مخاطر نقل النفط، لكنه يمكن أن يغير طبيعة إدارة المخاطر من الاعتماد على حماية خط واحد إلى إدارة شبكة متعددة المسارات ومراقبة مستمرة. وهنا يمكن أن تدخل منظومة الاستشعار الذكي بصورة واسعة. فكل قطاع يمكن أن يحتوي على أجهزة استشعار للضغط ودرجة الحرارة والتدفق والاهتزاز والتسرب، ويمكن استخدام الألياف البصرية أو تقنيات الاستشعار المتقدمة لمراقبة أجزاء طويلة من الشبكة. وتجمع هذه البيانات في مركز تحكم موحد، بحيث لا تكون وظيفة المركز مجرد قراءة المؤشرات، وإنما تحليلها بصورة مستمرة لاكتشاف التغيرات غير الطبيعية قبل أن تتحول إلى حادث. وإذا تطورت تقنيات الذكاء الاصطناعي والتحليل التنبؤي إلى مستويات أعلى، يمكن للنظام أن يتعلم من تاريخ التشغيل وأن يتوقع الأعطال ويقترح تغيير مسارات التدفق أو تخفيض الضغط أو إجراء الصيانة قبل وقوع المشكلة. ويمكن وضع حساسات ذكية ورقمية تقوم بالإقفال السريع للأنابيب فور تعرضها لأي هجوم. وفي هذا المستوى يمكن أن يتحول المشروع من مجرد شبكة أنابيب إلى منظومة نقل نفط ذكية. فالأنابيب تصبح البنية المادية، والمضخات توفر الطاقة الحركية للتدفق، والخزانات توفر المرونة، والطاقة الشمسية توفر جزءاً من الطاقة التشغيلية، وأجهزة الاستشعار توفر المعرفة، ونظم المعلومات الجغرافية والتوأم الرقمي توفر التمثيل والمحاكاة، ونظام التحكم يوفر التنسيق، والذكاء الاصطناعي يوفر التحليل والتنبؤ، بينما يجمع النظام المنظومي كل هذه العناصر في دورة تشغيل واحدة. ويمكن تصور هذه الدورة بصورة مبسطة على النحو التالي: تبدأ العملية من الآبار، ثم التجميع، ثم القياس والتحليل، ثم تحديد مسار التدفق، ثم الضخ، ثم التخزين المرحلي عند الحاجة، ثم إعادة الضخ، ثم المراقبة المستمرة، ثم التحقق من سلامة التدفق، ثم إعادة توزيع الكميات بين المسارات عند الضرورة. وبذلك يصبح النظام قادراً على التكيف مع تغير الإنتاج من الآبار، أو تغير مستويات التخزين، أو تغير الطاقة المتاحة، أو حدوعطل في أحد القطاعات، بدلاً من أن يكون مجرد خط ثابت يعمل بالطريقة نفسها طوال الوقت. وقد يكون من المفيد أيضاً التفكير في هذا النظام باعتباره شبكة وطنية لا مشروع خط أنابيب منفرداً. فالحقول النفطية في شرق وجنوب المملكة ليست كلها في موقع واحد، كما أن الإنتاج قد يتغير مع الزمن. وإذا صممت الشبكة منذ البداية على أساس المرونة، يمكن إضافة حقول جديدة أو زيادة الطاقة الاستيعابية في قطاعات محددة دون إعادة بناء النظام بأكمله. أما نقطة النهاية على البحر الأحمر، فيمكن أن تكون ينبع أو موقعاً آخر شمال جدة أو على ساحل البحر الأحمر تحدده دراسة شاملة تعتمد على المسافة والطبوغرافيا والقدرة التخزينية والبنية التحتية القائمة والموانئ ومرافق المعالجة والتصدير والاعتبارات البيئية والأمنية. ولا ينبغي أن يكون اختيار الموقع مبنياً على المسافة وحدها، لأن أقصر مسافة هندسية ليست دائماً أقل مسافة من حيث التكلفة أو المخاطر أو استهلاك الطاقة. ولذلك يجب أن يخضع المسار النهائي لنموذج متعدد المعايير يوازن بين طول المسار، وفروق الارتفاع، والطاقة المطلوبة للضخ، وعدد المحطات، وحجم التخزين، والمخاطر الجيولوجية والبيئية، وقربه من منشآت التصدير والمعالجة.
والفكرة الأكثر طموحاً في هذا التصور هي أن تتحول شبكة نقل النفط مستقبلاً إلى جزء من شبكة وطنية متعددة الموائع والطاقة. فقد تتجاور أو تتكامل شبكات النفط والغاز والهيدروجين والمياه والطاقة والكهرباء والبيانات، بحيث يتم التخطيط لها ضمن منظومة بنية تحتية وطنية واحدة بدلاً من تصميم كل قطاع بمعزل عن الآخر. ويمكن عندها لمحطات الطاقة الشمسية التي تخدم شبكة النفط أن ترتبط أيضاً بالشبكة الكهربائية، ويمكن لمحطات التخزين أن تتكامل مع منشآت الطاقة، ويمكن لمراكز البيانات والتحكم أن تدير عدة شبكات في وقت واحد. وهذا هو المكان الذي يمكن أن يظهر فيه مفهوم الدولة الذكية على نطاق وطني أوسع؛ فالبنية التحتية الحديثة لم تعد مجرد خطوط مادية، وإنما أصبحت أنظمة مترابطة تجمع بين البنية الفيزيائية والرقمية والطاقة والبيانات والإدارة. وإذا كان الهدف من التخطيط الحديث هو بناء منظومات أكثر كفاءة ومرونة واستدامة، فإن شبكة نقل النفط المستقبلية يمكن أن تكون مثالاً على الانتقال من البنية التحتية التقليدية إلى البنية التحتية الذكية القادرة على الإحساس والتحليل والتكيف. لكن هذه الفكرة، رغم إمكاناتها النظرية، تحتاج إلى الاعتراف بوجود تحديات هندسية كبيرة. فالنفط الخام ليس سائلاً بسيطاً، وتختلف لزوجته وكثافته وتركيبه من حقل إلى آخر، كما أن الاحتكاك داخل القنوات يزداد أهمية كلما انخفض قطرها، وبالتالي فإن تصغير الأنبوب لا يعني تلقائياً انخفاض الطاقة المطلوبة للنقل. وعلى العكس، قد يؤدي استخدام قنوات صغيرة جداً إلى زيادة كبيرة في المقاومة وفقدان الضغط. ولذلك فإن الفكرة تحتاج إلى تحديد الحجم الأمثل للقنوات وليس أصغر حجم ممكن. كما أن المواد المستخدمة يجب أن تتحمل الضغط والحرارة والتآكل والمكونات الكيميائية للنفط لفترات طويلة، وأن تكون قابلة للصيانة والاستبدال اقتصادياً. ومن هنا فإن «النانو» في هذا المشروع يجب ان يكون مجموعة من التقنيات التي تقدم قيمة حقيقية، مثل المواد المتقدمة والطلاءات المقاومة للتآكل، وأجهزة الاستشعار النانوية، والأغشية المتقدمة، وتقنيات التصنيع الدقيقة، والمواد منخفضة الاحتكاك، وليس مجرد تحويل أنبوب النفط التقليدي إلى أنبوب أصغر. وقد يكون المستقبل الحقيقي لهذه الفكرة في الجمع بين الهندسة الهيدروليكية التقليدية وتقنيات المواد المتقدمة والرقمنة والذكاء الاصطناعي والطاقة الشمسية. ثم تستخدم النائج لتحديد القطر الأمثل وعدد القنوات وتوزيع المضخات والخزانات.
والهدف النهائي من هذا التصور ليس القول إن أنبوباً تقليدياً يجب أن يستبدل فوراً بشبكة من الأنابيب الدقيقة، وإنما طرح سؤال مختلف: هل يمكن أن تكون شبكة نقل النفط في المستقبل أكثر شبهاً بشبكة عصبية أو شبكة اتصالات منها بخط أنابيب واحد؟ وهل يمكن أن يصبح النفط قادراً على التحرك داخل شبكة وطنية متعددة المسارات، تديرها أجهزة استشعار وطاقة شمسية ومضخات موزعة وخزانات مرحلية وتوأم رقمي ونظام تحكم ذكي؟ وإذا أمكن تحقيق ذلك اقتصادياً وهندسياً، فقد نكون أمام نموذج جديد للبنية التحتية النفطية لا يعتمد فقط على ضخ السائل من نقطة إلى نقطة، وإنما على إدارة تدفق ذكي ومرن داخل شبكة كاملة. إن المملكة التي بنت خلال عقود منظومات ضخمة لإنتاج النفط ونقله ومعالجته وتصديره، وتمتلك في الوقت نفسه موارد شمسية واسعة وقدرات صناعية وتقنية واستثمارية متنامية، تستطيع أن تنظر إلى المرحلة القادمة ليس فقط باعتبارها مرحلة زيادة إنتاج أو إنشاء خطوط جديدة، وإنما مرحلة إعادة تصميم البنية التحتية نفسها. وقد لا يكون المستقبل في أنبوب أكبر، وإنما في شبكة أذكى وأكثر مرونة وقدرة على التكيف. وهكذا يمكن أن ننتقل من مفهوم «خط النفط» إلى مفهوم «منظومة نقل النفط»، ومن الأنبوب الواحد إلى الشبكة، ومن الضخ المستمر إلى الضخ المتكيف، ومن الاعتماد على مصدر طاقة واحد إلى مزيج من الطاقة الشمسية والذكاء الرقمي والكهرباء والتخزين، ومن المراقبة اليدوية إلى الاستشعار المستمر، ومن الصيانة بعد حدوث المشكلة إلى الصيانة التنبؤية، ومن البنية التحتية الجامدة إلى البنية التحتية الذكية. وفي النهاية، قد لا تكون القضية الحقيقية هي: كيف نبني أنبوباً من شرق المملكة إلى البحر الأحمر؟ بل: كيف نبني شبكة وطنية ذكية تستطيع أن تنقل النفط بأعلى درجات المرونة والأمان والكفاءة، وتستطيع أن تتكيف مع تغير الحقول والطاقة والتقنية والطلب؟ إن التحول الحقيقي ليس بالضرورة في حجم الأنبوب، وإنما في طريقة التفكير في الشبكة كلها: كيف تتصل، وكيف تستشعر، وكيف تتعلم، وكيف تعيد توزيع التدفق، وكيف تعزل الخلل، وكيف تستمر في العمل، وكيف تستخدم الطاقة المتاحة بأعلى كفاءة. وعندها يصبح النفط ليس مجرد سائل يتحرك داخل أنبوب، وإنما جزءاً من منظومة بنية تحتية ذكية تتفاعل مع الطاقة والمعلومات والجغرافيا والاقتصاد والبيئة في نظام واحد.