ماجد البريكان
الخطابات الكبرى لا تُقاس بعدد كلماتها، وإنما بما تقوله بين السطور، وبالرسائل التي ترسم من خلالها الدولة موقعها اليوم واتجاهها غدًا.
وهكذا يمكن قراءة الخطاب الملكي الذي ألقاه سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، نيابة عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، أمام مجلس الشورى.
كان خطابًا يجمع بين التاريخ والمستقبل، وبين التنمية والأمن، وبين الداخل والخارج، لكنه في مجمله كان يقول شيئًا واحدًا بوضوح: السعودية تعرف ماذا تريد، وتعرف الطريق إليه.
حين يبدأ الخطاب بالتذكير بأن الدولة السعودية تقترب من إكمال ثلاثة قرون منذ نشأتها، فهذه ليست مجرد استعادة للتاريخ. إنها رسالة بأن ما نراه اليوم من تحول اقتصادي واجتماعي وتنموي ليس دولة تبحث عن هوية جديدة، وإنما دولة عريقة تطور أدواتها وتحافظ في الوقت نفسه على ثوابتها وهويتها وإرثها.
ثلاثمئة عام مرت بمراحل مختلفة ومتغيرات كثيرة، وبقيت الدولة السعودية راسخة، تستند إلى التوحيد والعدل، وتعتز بقيمها وهويتها، وتحمل شرف خدمة الحرمين الشريفين ورعاية قاصديهما.
ومن التاريخ انتقل الخطاب مباشرة إلى المستقبل.
الأرقام التي تحدث عنها ولي العهد بشأن رؤية السعودية 2030 مهمة، لكن الأهم منها هو ما تعنيه هذه الأرقام. عندما تصل مؤشرات أداء برامج واستراتيجيات الرؤية إلى 93 في المئة من مستهدفاتها، وعندما تنمو الصادرات غير النفطية بنسبة 155 في المئة مقارنة بعام 2016، وترتفع مساهمة القطاع الخاص إلى 51 في المئة، فنحن أمام تحول اقتصادي يمكن قياسه، وليس مجرد طموحات مكتوبة.
وهنا تحديدًا يظهر الفارق بين الإعلان عن الرؤية وبين إدارة الرؤية.
فالمملكة دخلت هذه المرحلة وهي تدرك أن النفط سيظل عنصر قوة، لكنها في الوقت نفسه تعمل على بناء اقتصاد يستطيع الوقوف على أكثر من قدم، من الصناعة والسياحة والتقنية والخدمات اللوجستية والاستثمار إلى تمكين القطاع الخاص وتعزيز المحتوى المحلي.
واللافت أيضًا أن الخطاب لم يجعل الاقتصاد منفصلًا عن الإنسان.
التعليم والصحة يتصدران الاهتمام ويحظيان بالأولوية في ميزانية الدولة، لأن التنمية في النهاية لا تُقاس فقط بالمشروعات والمباني والأرقام، وإنما بما يصل إلى المواطن من تعليم وصحة وفرص عمل وجودة حياة.
أما سياسيًا وأمنيًا، فقد كانت لغة الخطاب واضحة ومباشرة.
المملكة دولة تعمل من أجل السلام وخفض التصعيد والحلول الدبلوماسية، لكنها في الوقت ذاته لا تتهاون عندما يتعلق الأمر بأمنها وسيادتها ومصالحها.
وهذه معادلة مهمة جدًا في عالم مضطرب: نحن مع السلام، لكننا قادرون على حماية أنفسنا.نحن نفضل الدبلوماسية، لكننا نمتلك أدوات الردع.
والتأكيد على القدرات البشرية والعسكرية السعودية العالية الكفاءة لم يأتِ من باب استعراض القوة، وإنما في سياق تحديد مفهوم الأمن الوطني السعودي: أمن المملكة ليس مجالًا للمساومة. وكذلك كان التأكيد على أن أمن دول مجلس التعاون واستقرارها كل لا يتجزأ رسالة مهمة في توقيت إقليمي حساس. مهما تعددت الرؤى والتقديرات بين دول الخليج، تبقى الجغرافيا واحدة، والمصالح متداخلة، وأمن الخليج مترابطًا.
كما أن حضور الملفات الإقليمية والدولية في الخطاب يعكس حجم الدور السعودي اليوم. المملكة لم تعد تتعامل فقط مع الملفات التي تقع على حدودها، وإنما أصبحت طرفًا حاضرًا في قضايا الطاقة والممرات البحرية والأمن الإقليمي والأزمات السياسية، وتتحرك من موقع الدولة التي تملك مصالحها ورؤيتها وأدواتها.
وهذا ربما هو العنوان الأوسع للخطاب كله.
السعودية اليوم لا تنتظر الآخرين ليحددوا لها موقعها في النظام الدولي، بل تعمل على صناعة هذا الموقع بنفسها.
لا تذهب شرقًا على حساب الغرب، ولا غربًا على حساب الشرق، وإنما تذهب حيث توجد مصالحها الوطنية، وتبني شراكاتها وفق ما يخدم أمنها واقتصادها ومستقبل شعبها.
وفي الداخل، تستمر عملية البناء.
وفي الخارج، تتسع مساحة التأثير.
وبينهما تقف رؤية سياسية تقوم على قاعدة بسيطة: المصلحة السعودية أولًا، ولكن ضمن دولة تعرف مسؤوليتها الإقليمية والدولية.
لهذا لم يكن خطاب مجلس الشورى مجرد استعراض لما تحقق، ولا قائمة بما سيأتي.
كان أقرب إلى كشف حساب للمرحلة، وإعلان اتجاه للمرحلة المقبلة.
دولة تستند إلى تاريخ يقترب من ثلاثة قرون، وتعيش أكبر عملية تحول في تاريخها الحديث، وتبني اقتصادًا أكثر تنوعًا، وتستثمر في مواطنها، وتعزز قدراتها الدفاعية، وتوسع حضورها السياسي، وفي الوقت نفسه تقول للعالم إنها مع الاستقرار والسلام والحوار.
وهذه هي السعودية التي عبّر عنها الخطاب الملكي اليوم: راسخة في جذورها، سريعة في تحولها، واضحة في مصالحها، وواثقة في مستقبلها.