عبدالكريم بن دهام الدهام
«نبني كما كانت أوائلنا تفعل، ونفعل فوق الذي فعلوا».
لم تكن هذه الكلمات العميقة التي أمر موحِّد كيان هذا الوطن الشامخ الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود - طيب الله ثراه - بوضعها على جدران قصر المربع مجرد صياغة لغوية عابرة، بل كانت إعلاناً تاريخياً عن ولادة هوية وطنية فريدة، ودستوراً روحياً للأجيال المتعاقبة.
في تلك المرحلة الحارقة من تاريخ شبه الجزيرة العربية، حيث كانت الرمال تشهد مخاض ولادة وطن عظيم، لم يكن قصر المربع يُشيد ليكون مجرد مقر للحكم أو جدران تسكنها الهيبة، بل كان يُبنى ليكون منطلقاً لعهد جديد من المجد والشموخ. وحين خطت أيدي البنائين العبارة التقليدية: «نبني كما كانت أوائلنا تفعل، ونفعل مثل الذي فعلوا»، استوقفت هذه الكلمات عين القائد الملهم المعلم. لم يرتضِ الملك عبد العزيز بمجرد المحاكاة والوقوف عند حدود ما أنجزه الأوائل؛ فبلمسة عبقرية وقراءة ثاقبة للمستقبل، غيّر كلمة واحدة لتبدل مسار الفكر الوجداني لأمة بأكملها، لتصبح: «ونفعل فوق الذي فعلوا».
هذا الموقف الاستثنائي، الذي أعاد إحياءه ونقله بدفء وطني معالي المستشار سعود القحطاني في أحدث ظهور له، يختزل الإرادة الحقيقية التي قامت عليها الدولة السعودية. إنها ليست مجرد قصة تاريخية تُروى لمجرد التغني بالماضي، بل هي تجسيد حي لشعلة الطموح العاطفي الذي يتغلغل في وجدان وعروق كل مواطن سعودي. إن كلمة «فوق» تعني في مفهومها الوجداني العميق الانعتاق من النمطية، والتحليق في فضاءات التميز والريادة، والوفاء الحقيقي للأجداد عبر تجاوز إنجازاتهم وتقديم ما يفوق تطلعاتهم.
وعندما نتأمل واقعنا المعاصر في ظل التحديات والأزمات والاضطرابات التي تعصف بالمنطقة من حولنا، ندرك تماماً القيمة العاطفية والميدانية لهذا الإرث العظيم. إننا نرى المملكة العربية السعودية اليوم تقف صامدة وشامخة كالجبال، تنعم بواحة من الأمن والاستقرار والطمأنينة. هذا المشهد المهيب للالتحام الشعبي، واجتماع أبناء الوطن القادمين من شتى أرجائه ومناطقه في نسيج واحد مترابط، ليس وليد الصدفة، بل هو الثمرة المباركة للقيم التي زرعها الموحّد، قيم الأخوة، والعمل الجماعي، والإيمان المطلق بقدرات هذا الشعب العظيم.
إن هذا الوجدان النابض بالطموح لا يزال حياً، يتدفق في عروق الحاضر ويصنع ملامح المستقبل بفضل القيادة الرشيدة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود - أيده الله -، وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود ولي العهد وعرّاب الرؤية الطموحة - حفظه الله -.
إن ما تشهده المملكة اليوم من قفزات تنموية هائلة، ومشاريع عملاقة تبهر العالم، وتحولات اجتماعية واقتصادية رائدة، هو التطبيق العملي والفعلي لتلك العبارة الخالدة. إنهم يواصلون البناء ويعلون الصروح، ويفعلون فوق ما تخيله القريب والبعيد، ليؤكدوا للعالم أجمع أن طموح السعوديين، كما وصفه سمو ولي العهد، يشبه جبل طويق، صلابة لا تنكسر، وارتفاع لا تطاله العواصف، وثبات راسخ في وجه كل التحديات.