مبارك بن عوض الدوسري
يحل اليوم العالمي للقهوة في الأول من أكتوبر من كل عام، ليحتفي العالم بأحد أكثر المشروبات حضوراً في حياة الشعوب، وما يرتبط به من ثقافات وعادات وتقاليد وقصص إنسانية واقتصادية امتدت عبر قرون، وأصبح معها فنجان القهوة مساحة للقاء والتواصل، وعنواناً للضيافة، وجزءاً من تفاصيل الحياة اليومية في مجتمعات كثيرة، وفي المملكة العربية السعودية على وجه الخصوص تحمل القهوة معنى يتجاوز كونها مشروباً؛ فهي موروث ثقافي راسخ ارتبط بالكرم وحسن الاستقبال والمكانة الاجتماعية، وأصبح حضورها في المجالس والمناسبات صورة من صور الهوية الثقافية التي توارثتها الأجيال.
وتحظى القهوة السعودية بمكانة خاصة في الذاكرة الشعبية، ليس بسبب مذاقها فحسب، وإنما لما يرافق إعدادها وتقديمها من تفاصيل وطقوس ودلالات تعكس قيم المجتمع السعودي، بدءاً من اختيار البن وتحميصه ودرجة الطحن، مروراً بطريقة إعدادها وإضافة مكوناتها المختلفة بحسب المناطق والعادات، ووصولاً إلى طريقة تقديمها في الفنجان، وما يرمز إليه تقديمها باليد اليمنى، وما يصاحب ذلك من آداب واحترام للضيف ومراعاة لمكانته؛ وهي تفاصيل تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تختزن في مجموعها جزءاً مهماً من تاريخ المجتمع وذاكرته الاجتماعية.
ومع اتساع انتشار أنواع القهوة الحديثة وتعدد طرق إعدادها وتقديمها، وما تحمله من ثقافات وتجارب جديدة تستحق التعرف إليها، تبرز الحاجة إلى ألا يكون هذا التنوع على حساب القهوة السعودية الأصيلة، أو أن تتراجع من موائد الأجيال الجديدة لتصبح مجرد صورة في كتاب عن التراث؛ فالتطور لا يعني التخلي عن الموروث، والانفتاح على ثقافات العالم لا يستدعي إغلاق الباب أمام ما صنعته الذاكرة المحلية، بل إن قوة المجتمعات تكمن في قدرتها على استقبال الجديد مع المحافظة على جذورها.
ومن هنا تأتي مسؤولية الأسرة والمدرسة والمؤسسات الثقافية والمجتمعية في تعريف الأبناء والبنات بالقهوة السعودية، ليس باعتبارها عادة قديمة فحسب، وإنما باعتبارها عنصراً من عناصر الثقافة الوطنية؛ وبالتالي من المهم أن يتعلم الجيل الجديد كيف تُعد القهوة، وما المراحل التي تمر بها، وما أنواع البن المستخدمة فيها، وما الفروق التي صنعتها البيئات والمناطق في طرق إعدادها، وكيف تُقدّم، وما دلالات الفنجان والدلة والمبخرة، وما تحمله تلك الممارسات من معانٍ مرتبطة بالكرم والاحترام وحسن الضيافة.
وتزداد أهمية هذا التعليم عندما يتحول من حديث نظري إلى ممارسة حية؛ فإن يرى الابن أو الابنة أحد أفراد الأسرة وهو يحمص البن ويطحنه ويعد القهوة، ثم يتعلم منه طريقة تقديمها وآدابها، يعني أن الموروث ينتقل من جيل إلى آخر بطريقة طبيعية تحفظ له حضوره واستمراريته؛ فالتراث الذي يمارس ويُفهم ويُروى يبقى حياً، أما الذي يُختزل في المناسبات والصور والشعارات فقد يفقد تدريجياً تفاصيله وروحه.
ولا تنفصل القهوة السعودية عن الجهود التي تشهدها المملكة لتنمية زراعة البن المحلي ودعم المزارعين ورفع الإنتاج، بما يعزز حضور هذا المنتج في الاقتصاد الوطني، ويدعم مستهدفات التنويع الاقتصادي، ويمنح البن السعودي فرصة أوسع للوصول إلى الأسواق والتعريف بمميزاته؛ وتتكامل هذه الجهود الاقتصادية مع مسؤولية ثقافية لا تقل أهمية، تتمثل في حماية المعرفة المرتبطة بالقهوة السعودية وأساليب إعدادها وتقديمها، وتوثيق تنوعها من منطقة إلى أخرى، وإبقاء قصصها وتفاصيلها حاضرة في وجدان المجتمع.
ويمنح اليوم العالمي للقهوة فرصة مناسبة لإعادة النظر في علاقتنا بهذا الموروث، فالمناسبة ليست احتفاءً بفنجان يُقدّم فحسب، بل تذكير بقصة ثقافية طويلة صنعتها الأجيال، وبقيم ظلت الدلة والفنجان يحملانها من بيت إلى بيت ومن مجلس إلى مجلس؛ وفي الوقت الذي تتسع فيه خيارات القهوة وتتعدد مدارس إعدادها حول العالم، يبقى من المهم أن يعرف أبناؤنا وبناتنا أن للقهوة السعودية مذاقاً آخر لا تصنعه مكوناتها وحدها، وإنما تصنعه الذاكرة، والضيافة، والمجلس، والدلة، والفنجان، واليد التي تقدمه، والحكاية التي تقف خلفه.
إن المحافظة على القهوة السعودية لا تعني رفض الجديد، وإنما تعني أن يعرف الجيل الجديد جذوره قبل أن يتعرف إلى ثقافات الآخرين، وأن يحمل فنجان القهوة السعودية باعتزاز ومعرفة، لا باعتباره تقليداً يؤديه في مناسبة، بل موروثاً يفهم رموزه ويعرف تفاصيله ويستطيع نقله إلى أبنائه من بعده؛ فالقهوة السعودية ليست مجرد مشروب يملأ الفنجان، وإنما ذاكرة وطن تُسكب في فناجين صغيرة، وتختصر في رائحتها ومذاقها شيئاً من حكاية مجتمع جعل من الضيافة قيمة، ومن القهوة عنواناً للأصالة، ومن الموروث جسراً يصل الماضي بالمستقبل.