عبدالله سعد الغانم
جهازٌ أرهق البصرا
ويجلبُ للورى الكدرا
وأكثرنا به فُتنوا
وكم شرٍّ به حضرا
بهِ عِلمٌ وخيراتٌ
لِمَنْ قد أنعمَ النظرا
فيسعدُ مُحسنٌ عملاً
ويسلمُ راكبٌ حَذرا
وعُمْرُ المرءِ موقوتٌ
سيخسرُ مَنْ له هَدَرا
إنَّه الجوالُ الذي لا يكاد يخلو منه جيب ولا تنفك عنه يد، هو فتنةٌ من فتن هذا الزمان سلب عقول الصغار قبل الكبار والنساء قبل الرجال، وتنافس الناس على اقتنائه بأنواعه كما تنافست الشركات في تصنيعه.
والتفنن في إدخال خدمات وإضافة إمكانات تقنية ساحرة مبهرة لمن يريد اقتناءه واستخدامه حتى وصل سعر الجهاز إلى مايقارب الثمانية آلاف ووجد بعض المستثمرين فرصتهم في فتح محلاتٍ للمتاجرة فيه وصيانته، حتى لنرى مجمعات اتصالات في المدن الكبيرة ممتلئة بالناس من كل الأجناس ومن مختلف الأعمار، وانتشرت محلات بيعه وصيانته في كل مدينة وقرية فأصبح يمثِّل تجارةً رائجةً رابحةً، وبات رفيقًا لصاحبه نديمًا له حتى إنه ليفتتح يومه به وقد ينام وهو بين يديه إنْ لم يواصل ليله بنهاره مع جواله مستهلكًا وقتًا ثمينًا من حياته مرهقًا فكره به مهلكًا جسده بالسهر معه، وقد يخسر أخلاقه ودينه إن لم يحذر خطره وما يحتويه من فتنٍ وإغراءات وكأني بالجوال يخاطب كل مفتونٍ به قائلاً:
فتنتُكم يا رفاقي
قد ارتضيتُم عناقي
كفوفكم حاضناتي
كم صافحتني المآقي
سرقتُ وقتًا ثمينًا
منكم وغاب التلاقي
في جوفيَ الخيرُ إنِّي
يا قومُ حلوُ المذاقِ
فلتنهلوا من معيني
أو سارعوا في فراقي
إنِّي لداءٌ فحاذرْ
كم نال قومًا محاقي
حماك ربي وتُكفى
من الشرورِ البواقي
وإنصافًا لهذا الجهاز وإحقاقًا للحق فإنَّ الجوال لا يُعدم الخير والفائدة والعلم متى ما أحسن مالكه التعامل معه فهو وسيلة مثلى للتواصل مع الأقارب والأرحام والأحباب والأصدقاء حيث قرَّب البعيد وسهَّل الصعب لكل مريد ويستطيع صاحبه أن يجوب العالم، ويزور المعالم ويغوص في بطون الكتب ويتزود من المعارف والعلوم الكثير والكثير بل وسهَّل للجميع الخدمات المتعددة سواء حكوميةً أو ماليةً أو اجتماعية وهو في هذه الحال نعمةٌ عظيمةٌ ومنَّةٌ من الله كبيرة، لكنَّ هناك من مستخدميه من انتهك به خصوصيات الآخرين فأصبح يصوِّر في المناسبات وينشر في الحالات والسنابات دون إذنٍ بل وتهاون في نشر خصوصياته مع أهله وأولاده فجعل البيت المستور كلأً مباحًا للجمهور تعنيه كثرة المشاهدات وإنْ حلَّت به الويلات من أمراضٍ وخساراتٍ مُتجرِّعًا الحسرات، وهنا أبعث إليه رسالةً شعرية أقول فيها:
ألا فاحذرْ وأحسنْ في التعاملْ
مع الجوالِ إنْ رُمتَ التواصلْ
به القنواتُ تُمطرنا بعلمٍ
تنوَّع مشربًا زاد التشاغلْ
تسابق في البثوثِ ذوو اشتهارٍ
يريدون التميزَ والتفاعلْ
فخذْ حسنًا وجانبْ ما سواهُ
وتابعْ كلَّ داعٍ للتفاؤلْ
وحاذر نشرَ أسرارٍ لبيتٍ
لئلا تهدم البيتَ المقاتلْ
تجنَّبْ هتك أستارٍ لناسٍ
فهذا فعلُ خوَّانٍ وجاهلْ
هو الظلمُ الكبيرُ وفيه إثمٌ
عظيمٌ فاحذرنْ صاحٍ التساهلْ
** **
تمير - سدير