د. يحيى جابر
يحتل مؤسس علم الاجتماع عبد الرحمن بن محمد بن خلدون مكانة استثنائية في تاريخ الفكر العربي والإسلامي، ليس لأنه كتب التاريخ فحسب، وإنما لأنه حاول أن ينتقل بالتاريخ من مجرد رواية للأحداث إلى البحث في أسبابها وقوانينها والظروف التي تحكم وقوعها، وهذه النقلة الفكرية تجعل قراءة ابن خلدون من زاوية الإعلام أمراً مهماً، خصوصاً في عصر أصبحت فيه المعلومة أسرع من أي وقت مضى، وأصبح التحقق من الأخبار ومصادرها وسياقاتها من أهم التحديات المهنية.
عاش ابن خلدون في القرن الـ8 الهجري، و14 الميلادي، في بيئة سياسية واجتماعية شديدة التعقيد، وتنقل بين عدد من البلدان والمواقع السياسية والقضائية والعلمية، الأمر الذي منحه خبرة مباشرة بالمجتمع والسلطة والسياسة والناس، وقد انعكست هذه التجربة على منهجه في قراءة الأحداث والأخبار، فجاءت مقدمته محاولة لبناء قواعد تساعد على فهم العمران البشري وتمييز الأخبار الممكنة من الأخبار التي تتعارض مع طبيعة المجتمع والواقع.
يقول ابن خلدون: إن حقيقة التاريخ هي الخبر عن الاجتماع الإنساني والعمران وما يعرض له من أحوال، ويرى أن الكذب يمكن أن يتطرق إلى الأخبار لأسباب متعددة، منها التحيز للآراء والمذاهب، والثقة بالناقلين، وعدم فهم مقاصد الأحداث، والجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع، والمبالغة في مدح أصحاب الجاه والسلطة، «المصدرـ عبدالرحمن بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، الكتاب الأول في طبيعة العمران البشري».
وهنا تبدأ العلاقة المهمة بين ابن خلدون والإعلام؛ فالصحافة الحديثة لم تكن موجودة في عصره، لكنه تعامل مع جوهر المشكلة الإعلامية، وهي كيفية انتقال المعلومة من مصدر إلى متلقٍ، وكيف يمكن أن تتعرض هذه المعلومة للتحريف أو المبالغة أو سوء الفهم أثناء انتقالها.
الخبر ليس حقيقة لمجرد نقله
أهم ما يمكن أن يستفيده الإعلامي من ابن خلدون هو أن الخبر لا يصبح صحيحاً لمجرد أن شخصاً رواه أو أن مصدراً معروفاً نقله، فالمعلومة تحتاج إلى فحص، والواقعة تحتاج إلى سياق، والرواية تحتاج إلى مقارنة مع الواقع، ويذهب ابن خلدون إلى أن معرفة طبيعة العمران هي من أقوى الوسائل لتمييز الصدق من الكذب في الأخبار، وأن على الباحث أن ينظر أولاً في إمكان وقوع الحادثة وانسجامها مع طبيعة الاجتماع البشري قبل أن يحكم بصحتها، وهذه الفكرة تقترب بصورة واضحة من إحدى أهم قواعد العمل الإعلامي الحديث، وهي التحقق من المعلومات قبل نشرها، فالصحفي لابد أن يوثق المعلومة بدقة، فإن ابن خلدون يقدم للإعلامي قاعدة مهمة، المصدر عنصر من عناصر التحقق، وليس التحقق كله.
التحيز وتأثيره في الأخبار
من أكثر الأفكار الخلدونية أهمية للإعلام الحديث حديثه عن التحيز، فقد لاحظ أن الإنسان إذا كان منحازاً لرأي أو جماعة أو مذهب، فقد يميل إلى قبول الأخبار التي توافق موقفه بسرعة، بينما يتعامل مع الأخبار المخالفة بدرجة أكبر من الشك، ويشرح ابن خلدون أن التحيز يمكن أن يصبح غطاءً يحجب القدرة على النقد والتمحيص، فيؤدي إلى قبول الخبر غير الصحيح ونقله، وتزداد أهمية هذه الفكرة في الإعلام المعاصر، لأن الجمهور أصبح يعيش وسط كم هائل من الأخبار والآراء والتعليقات، ولم تعد المشكلة في نقص المعلومات، وإنما في قدرة الإنسان على التمييز بين المعلومة والرأي، وبين الخبر والتفسير، وبين الحقيقة والدعاية.
كما أن وسائل التواصل الحديثة جعلت المتلقي قادراً على اختيار المصادر التي تتفق مع قناعاته، وهو ما قد يؤدي إلى تشكيل بيئات إعلامية مغلقة يتداول فيها الناس الأخبار التي تؤكد مواقفهم السابقة، ومن هنا فإن تحذير ابن خلدون من التحيز لا يخص الصحفي وحده، وإنما يشمل المتلقي أيضاً.
صناعة الصورة
لفت ابن خلدون الانتباه إلى تأثير السلطة والجاه والمكانة الاجتماعية في الأخبار، ورأى أن الناس قد يبالغون في الثناء على أصحاب المراتب والمكانة، وأن هذا الثناء قد يؤدي إلى انتشار أخبار لا تعكس الحقيقة كاملة، ويشير إلى أن من أسباب تحريف الأخبار تقرب الناس من أصحاب الجاه والمراتب بالثناء والمدح وتحسين الأحوال وإشاعة الذكر بذلك، فتنتشر الأخبار على غير حقيقتها، وهذه الملاحظة تفتح باباً مهماً لفهم العلاقة بين الإعلام وصناعة الصورة الذهنية، فالمؤسسات والشخصيات والدول لا تظهر في الإعلام دائماً بالصورة نفسها التي تظهر بها في الواقع، لأن عملية تقديم المعلومات وانتقاءها وترتيبها وإبراز جوانب معينة منها يمكن أن تؤثر في الصورة التي تتشكل لدى الجمهور، وهنا تبرز مسؤولية الإعلام المهني في الفصل بين نقل الإنجاز وتضخيمه، وبين عرض الحقائق والترويج لها، وبين البيان الإعلامي والمادة الإعلانية، فالمدح ليس خبراً، كما أن النقد ليس خبراً بالضرورة؛ الخبر هو المعلومة التي يمكن التحقق منها ووضعها في سياقها الصحيح، والالتزام بالقواعد المهنية واللوائح والأنظمة والتشريعات، ومراعاة كل الجوانب المهمة وخصوصية كل مجتمع وبلد.
السياق أهم من الجملة المنفردة
من الأفكار الدقيقة في منهج ابن خلدون أن بعض الأخطاء لا تأتي من الكذب المتعمد، وإنما من عدم فهم السياق، فالناقل قد يرى حادثة حقيقية، لكنه لا يعرف أسبابها أو نتائجها، وقد ينقل ما شاهده وفق فهمه الشخصي، فتتحول الواقعة الصحيحة إلى رواية غير دقيقة، ويشير ابن خلدون إلى أن من أسباب الخطأ في الأخبار ذهول الناقل عن المقاصد، وأن بعض الناقلين لا يعرفون حقيقة ما شاهدوه أو سمعوه فينقلونه وفق الظن والتخمين، وهذه القاعدة شديدة الأهمية للصحافة المعاصرة، فقد تكون الجملة التي ينقلها الصحفي صحيحة، لكن استخدامها خارج سياقها يجعلها مضللة، وقد يكون الرقم صحيحاً، لكن عدم معرفة الفترة الزمنية أو طريقة احتسابه قد يقود إلى استنتاج خاطئ، ولهذا فإن الصحفي المحترف لا يكتفي بصحة المعلومة منفردة، وإنما يبحث عن دلالتها ضمن الصورة الكاملة.
العمران وفهم المجتمع
يقوم جزء كبير من فكر ابن خلدون على مفهوم العمران، أي دراسة الاجتماع البشري وما ينشأ عنه من علاقات وقوى ومؤسسات وأحوال، وقد اعتبر الاجتماع الإنساني ضرورياً لحياة البشر، وربط بقاء الإنسان بالتعاون مع الآخرين، وهو ما جعله ينظر إلى المجتمع باعتباره منظومة مترابطة، ومن المنظور الإعلامي، يمكن الاستفادة من هذه الرؤية في فهم أن وسائل الإعلام لا تعمل في فراغ، فالخبر السياسي مرتبط بالسياسة، والخبر الاقتصادي مرتبط بحركة الاقتصاد، والخبر الاجتماعي مرتبط بالقيم والعادات، والخطاب الإعلامي يتأثر بالمؤسسات والجمهور والبيئة الثقافية، ولهذا فإن الإعلامي الذي لا يفهم المجتمع الذي يكتب عنه قد يقع في أخطاء تفسيرية حتى لو كانت معلوماته الأساسية صحيحة، فالخبر يحتاج إلى معلومة، لكنه يحتاج أيضاً إلى معرفة بالبيئة التي أنتجت المعلومة.
ابن خلدون والتحقق من الأخبار
يمكن القول إن ابن خلدون قدم منهجاً مبكراً للتحقق من الأخبار، وإن كان من الخطأ وصفه بأنه وضع قواعد الصحافة الحديثة بمعناها المهني المباشر، فالصحافة تعتمد اليوم على أدوات لم تكن موجودة في عصره، مثل الوثائق الرقمية وقواعد البيانات والتسجيلات المرئية والتحقق من الصور ومقارنة المصادر المفتوحة وتحليل البيانات، لكن المبدأ الذي تقوم عليه هذه الأدوات قريب من الفكرة الخلدونية الأساسية، وهي عدم التسليم بالرواية قبل اختبارها، وقد جعل ابن خلدون معرفة طبيعة العمران معياراً لفحص الأخبار، وميز بين الخبر الذي يمكن أن يقع والخبر الذي يتعارض مع طبيعة الأشياء والعمران، وهذا يضع أمام الإعلامي منهجاً يمكن اختصاره في 3 مراحل، معرفة المصدر، وفهم السياق، ومقارنة الرواية بالواقع.
الإعلام بين السرعة والدقة
لو عاش ابن خلدون في عصر الإعلام الرقمي، لربما وجد أن المشكلة التي ناقشها أصبحت أكثر تعقيداً؛ فالخبر الذي كان يحتاج إلى أيام أو أسابيع حتى ينتقل بين المدن أصبح يصل إلى ملايين الأشخاص خلال دقائق، ربما ثوان أو جزء من ثانية، وهذه نقطة أساسية في الممارسة الإعلامية الحديثة؛ فالمعلومة التي تنتشر بسرعة قد تكون صحيحة، وقد تكون ناقصة، وقد تكون خاطئة، وقد تكون مقطوعة من سياقها، ولذلك لابد أن يكون الإعلامي ذا قدرة على التحقق من الخبر وتفسيره ووضعه في سياقه والتثبت منه بدقة، في حال كان يريد سبقاً صحفياً، وهنا تتقدم المهنية على السبق عندما يكون السبق على حساب الدقة.
ابن خلدون والإعلام الرقمي
أصبح الجمهور اليوم شريكاً في صناعة المحتوى، ولم تعد عملية الاتصال تسير في اتجاه واحد من المؤسسة الإعلامية إلى الجمهور، يستطيع الفرد أن يصور الحدث وينشره، ويعلق عليه، ويعيد إنتاجه، ويضيف إليه معلومات جديدة، ثم ينتقل المحتوى إلى عشرات الحسابات والمنصات، وهذه البيئة تجعل قضية التحقق أكثر أهمية، لأن المعلومة يمكن أن تفقد مصدرها الأصلي أثناء إعادة النشر.
ومن منظور ابن خلدون، فإن انتشار الرواية لا يمثل دليلاً كافياً على صحتها، فالعبرة ليست بعدد من نقلوا الخبر، وإنما بإمكان وقوعه ومطابقته للواقع وفهم الظروف التي أحاطت به، وهذه رؤية شديدة الأهمية في عصر المحتوى الرقمي، حيث أصبحت المشاهدة والمشاركة والانتشار مؤشرات على الوصول، لكنها ليست بالضرورة مؤشرات على الحقيقة.
بين الإعلام والإعلان
تكشف قراءة ابن خلدون أيضاً عن أهمية التمييز بين الإعلام والإعلان، الإعلان يقوم على الإقناع والترويج وتقديم صورة إيجابية عن منتج أو مؤسسة أو خدمة، بينما يقوم الإعلام المهني في جوهره على جمع المعلومات والتحقق منها وعرضها وتفسيرها، ولا يعني ذلك أن الإعلان غير مهني، وإنما يعني أن لكل مجال وظيفة مختلفة، المشكلة تبدأ عندما تختفي الحدود بين المادة الإخبارية والمادة الترويجية، فيعتقد المتلقي أنه أمام خبر مستقل بينما هو أمام محتوى صيغ أساساً بهدف التأثير والإقناع، وتساعدنا ملاحظات ابن خلدون حول المبالغة في مدح أصحاب الجاه وتحسين الأحوال عند نقل الأخبار على فهم أهمية هذه المسافة بين الخبر والترويج.
ماذا يقدم ابن خلدون للإعلامي اليوم؟
يمكن استخلاص مجموعة من المبادئ الإعلامية المهمة من منهج ابن خلدون، أولها أن الخبر يحتاج إلى التحقق، وثانيها أن المصدر لا يكفي وحده لإثبات الحقيقة، وثالثها أن التحيز يؤثر في استقبال المعلومات ونقلها، ورابعها أن فهم السياق ضروري لفهم الواقعة، وخامسها أن السلطة والمكانة يمكن أن تؤثرا في الرواية، وسادسها أن معرفة طبيعة المجتمع تساعد على اكتشاف الأخبار غير المنطقية أو غير الممكنة.
هذه المبادئ لا تجعل ابن خلدون صحفياً بالمعنى الاصطلاحي، لكنها تجعله واحداً من أبرز المفكرين الذين قدموا رؤية نقدية مبكرة لطريقة التعامل مع الأخبار والروايات.
أخيراً
إن علاقة ابن خلدون بالإعلام ليست علاقة مباشرة من الناحية التاريخية، فهو لم يعرف الصحافة الحديثة، ولم يمارس مهنة الإعلام بمفهومها الحالي، لكن فكره يقدم للإعلام المعاصر مادة ثرية لفهم الخبر ومصادره وسياقه وتأثير السلطة والتحيز في نقله، وتكمن عظمة ابن خلدون في أنه لم يكتفِ بالسؤال عن الرواية، وإنما حاول الوصول إلى القواعد التي تجعل الرواية ممكنة أو مستحيلة، صحيحة أو مشكوكاً فيها، وهذا التحول من النقل إلى النقد هو جوهر مهم من جوهر العمل الإعلامي المهني، وفي تقديري أن الإعلام العربي يحتاج إلى إعادة قراءة ابن خلدون من زاوية مهنية، لا باعتباره مؤرخاً فقط، وإنما باعتباره مفكراً في الخبر والمجتمع والسلطة والإنسان، فالإعلامي الذي يتعلم كيف يفحص المعلومة، ويدرس مصدرها، ويفهم سياقها، ويقارنها بالواقع، ويقاوم التحيز، يقترب من جوهر المنهج الذي دعا إليه ابن خلدون قبل قرون، لقد تغيرت الوسيلة من الرواية الشفوية إلى الصحيفة، ثم إلى الإذاعة والتلفزيون، ثم إلى المواقع والمنصات الرقمية،
وهنا تظل قيمة ابن خلدون حاضرة؛ لأن الخبر مهما تغيرت وسيلة نقله يحتاج دائماً إلى عقل ناقد، ومصدر موثوق، وسياق واضح، ومعلومة قابلة للتحقق، وهذه ليست قاعدة تاريخية فحسب، وإنما قاعدة مهنية تصلح لكل إعلامي في كل عصر، فعلم الإعلام وعلم الاجتماع وعلم النفس وعدة علوم أخرى مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالإعلام، الذي يعتبر القوة الهائلة في برمجة عقول البشر.
** **
- دكتوراه صحافة وإعلام