«الجزيرة» - أحمد الأسمري:
برعاية كريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، ينطلق الأحد القادم في مركز الملك فيصل للمؤتمرات بالرياض «المؤتمر الدولي السابع للإعاقة والتأهيل»، في امتداد لمسيرة طويلة من الدعم الذي أولته المملكة لقضايا ذوي الإعاقة، وانتقلت خلالها من مراحل التعليم والرعاية والتأهيل إلى الحقوق والتمكين والاستقلالية والمشاركة الكاملة.
ويجمع المؤتمر، الذي ينظمه مركز الملك سلمان لأبحاث الإعاقة ويستمر ثلاثة أيام، نخبة من المسؤولين والعلماء والباحثين والخبراء وصناع القرار من داخل المملكة وخارجها، ضمن برنامج علمي في خمسة مجالات رئيسة تشمل الصحة، والتعليم والتربية والمجتمع، والتأهيل، والتقنية، والتشريعات والتنسيق.
وتتصدر محاور البرنامج قضايا حديثة تتصل بمستقبل الخدمات، من بينها «الملف الوطني الموحد» المبني على السجل الوطني للأشخاص ذوي الإعاقة، إلى جانب الطب الدقيق والتشخيص الجيني، والتعليم الشامل والدعم النفسي، والتقنيات المساعدة والروبوتات، والوصول الشامل والدمج المجتمعي، والتمكين الاقتصادي والاجتماعي، والتشريعات والحوكمة واستشراف التحولات العلمية والتقنية المقبلة.
ويضم البرنامج محاضرات رئيسة وجلسات علمية وحوارية وورش عمل. وتتناول إحدى جلساته الرئيسة تكامل بيانات الأشخاص ذوي الإعاقة والخدمات المقدمة لهم، وتبحث أخرى «أخلاقيات الذكاء الاصطناعي والإعاقة»، فيما تتناول ثالثة نماذج الاستدامة المالية للجهات غير الربحية العاملة في هذا المجال.
ويشهد المؤتمر تكريم الفائزين في الدورة الرابعة من «جائزة الملك سلمان العالمية لأبحاث الإعاقة»، التي تعد الأكبر عالمياً في هذا المجال، وشهدت دورتها الحالية مشاركة باحثين وعلماء ومؤسسات من 111 دولة، في فروع العلوم التأهيلية والاجتماعية، والتطبيقات التقنية، والعلوم الصحية والطبية، والعلوم النفسية والتربوية، والوصول الشامل.
ويصاحب المؤتمر «هاكاثون الذكاء الاصطناعي للأشخاص ذوي الإعاقة»، الذي يجمع المبتكرين والمتخصصين لتطوير حلول تقنية تخدم الأشخاص ذوي الإعاقة، عبر أربعة مسارات تشمل الحياة اليومية والتقنيات المساعدة، والصحة والتأهيل، والتعليم والوصول إلى المعرفة، وخدمات الحج والعمرة، بإجمالي جوائز يبلغ 220 ألف ريال.
ويعيد انعقاد النسخة السابعة إلى الواجهة قصة عمرها ثلاثة أرباع قرن، اتسعت خلالها الجهود حتى أصبحت حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة جزءاً من أنظمة المملكة وتعليمها وعملها ومرافقها العامة وبرامجها التنموية.
الانطلاقة الطموحة
ظهرت البواكير في أواخر عهد الملك الموحد عبدالعزيز، بمساعٍ لإيصال التعليم إلى المكفوفين، ثم أخذت في عهد الملك سعود بن عبدالعزيز طريقها نحو العمل المنظم. وفي أواخر الخمسينيات سمحت وزارة المعارف بافتتاح فصول مسائية لتعليم المكفوفين في مدرسة جبرة بالرياض، وبرز استخدام طريقة «برايل» في هذه المرحلة، قبل افتتاح معهد النور للمكفوفين عام 1960 بتوجيه من الملك فهد بن عبدالعزيز، أول وزير للمعارف.
وبعد عامين أنشأت الوزارة إدارة التعليم الخاص، أول جهاز متخصص لهذا المجال، ثم افتتح عام 1964 معهدا الأمل للصم للبنين والبنات، وتوالى انتشار معاهد النور والأمل والتربية الفكرية للبنين والبنات في مناطق المملكة.
وفي قلب تلك المرحلة يطل اسم الشيخ عبدالله بن محمد الغانم، أحد أهم رواد تعليم المكفوفين في المملكة. عاش الإعاقة البصرية بنفسه، وتعلم «برايل»، وقاد الفصول المسائية، ثم تولى إدارة معهد النور، وكان أول الأسماء التي تولت الإشراف على إدارة التعليم الخاص بعد إنشائها. ولم تتوقف تطلعاته عند تعليم ذوي العوق البصري؛ فقد سعى إلى توسيع المعاهد، وطالب بقبول المكفوفين في الجامعات وتوظيفهم وإتاحة فرص أوسع لهم، قبل أن يمتد نشاطه إلى العمل العربي والدولي في شؤون المكفوفين. قصة الغانم تختصر جانباً من تلك البداية: مواطن من ذوي الإعاقة يسهم بنفسه في صناعة المؤسسة التي ستخدم آلافاً ممن يشاركونه التجربة.
تنظيم مؤسسي
في عهد الملك فيصل بن عبدالعزيز ترسخت المسؤولية الحكومية بصورة أوسع. نصت وثيقة سياسة التعليم عام 1970 على تعليم الأشخاص ذوي الإعاقة وتدريبهم وفق قدراتهم واحتياجاتهم، وتحولت إدارة التعليم الخاص عام 1972 إلى المديرية العامة لبرامج التعليم الخاص، قبل أن تتبلور تحت مظلتها لاحقاً إدارات متخصصة في الإعاقة البصرية والسمعية والفكرية.
وتواصل التوسع في عهد الملك خالد بن عبدالعزيز، فنمت المعاهد والبرامج وخدمات التعليم والتأهيل والتدريب، وأصبحت التربية الخاصة مكوناً مستقراً في منظومة التعليم السعودية.
شراكة المجتمع
وفي تلك السنوات أيضاً بدأت تتكون تجربة أهلية لافتة. ففي 1977 عرض الدكتور غازي القصيبي وآخرون على الملك سلمان بن عبدالعزيز، أمير منطقة الرياض آنذاك، فكرة إنشاء دار متخصصة للأطفال ذوي الإعاقة، فتبنى الفكرة ورفعها إلى ملك البلاد. وفي العام التالي وافق الملك خالد على إنشاء الدار، ورحب بفكرة إشراك المجتمع في تمويلها، مقرراً أن تدفع الدولة ريالاً مقابل كل ريال يجمعه المواطنون.
ثم قدم الملك سلمان في 1980 تبرعاً بمليوني ريال، ونجحت حملة أهلية في جمع نحو 30 مليوناً، وفي 1981 وجه الملك فهد، ولي العهد حينها، بصرف 40 مليون ريال لاستكمال المشروع. وسجلت الجمعية رسمياً في 1982، وحصلت لاحقاً على ترخيص لتقديم التعليم والعلاج، قبل أن يفتتح الملك سلمان مركزها بالرياض عام 1986 نيابة عن الملك فهد.
كانت تلك التجربة أكثر من مشروع خيري، فقد قدمت نموذجاً مبكراً للشراكة بين الدولة والمجتمع في قضية الإعاقة. ومع تولي الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز رئاسة مجلس إدارة الجمعية في أواخر الثمانينيات، اتجه العمل إلى آفاق أرحب. وبعد أن طرح الأمير سلطان فكرة إنشاء مركز متخصص لأبحاث الإعاقة، تبنى الملك سلمان المشروع، فكان مركز الملك سلمان لأبحاث الإعاقة، مضيفاً إلى الخدمة المباشرة مساراً يقوم على البحث العلمي والوقاية والكشف والتدخل المبكر.
مرحلة الدمج
وشهد عهد الملك فهد تحولاً مهماً أيضاً في فلسفة التعليم. بدأت المملكة منذ الثمانينيات تجارب الدمج التربوي للطلاب ذوي الإعاقة في مدارس التعليم العام، ثم اتسعت بقوة خلال التسعينيات، فانتقل جزء متزايد من الطلاب من بيئة المعهد المنفصل إلى المدرسة مع أقرانهم، مع توفير البرامج والخدمات المساندة المناسبة.
وفي 1992 حملت المطابع المتخصصة اسم خادم الحرمين الشريفين لطباعة القرآن الكريم بطريقة «برايل»، لتقدم المصحف والكتب الدينية والثقافية للمكفوفين داخل المملكة وخارجها.
وفي العام نفسه استضافت الرياض المؤتمر الدولي الأول للإعاقة والتأهيل برعاية الملك فهد، وبمشاركة مختصين وخبراء من دول مختلفة. وكان من أبرز ما خرجت به تلك الحركة العلمية والمجتمعية الدعوة إلى وضع نظام وطني يحفظ حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وينظم الخدمات المقدمة لهم، وهي فكرة ستجد طريقها لاحقاً إلى التشريع.
وجاء عام 2000 بمحطة فاصلة: صدور «نظام رعاية المعوقين»، ليضع للمرة الأولى إطاراً نظامياً شاملاً يتناول التعليم والصحة والتأهيل والعمل والتسهيلات وغيرها، بما يعكس اتساع القضية من خدمات متفرقة إلى ملف وطني يرتبط بالتشريع والعلم والمشاركة المجتمعية.
وفي العام نفسه انعقد في الرياض المؤتمر الدولي الثاني للإعاقة والتأهيل، وتواصلت مسيرة المؤتمر بعد ذلك عبر دوراته المتعاقبة في 2009 و2014 و2018 و2022، وصولاً إلى نسخته السابعة، بما يربط بين قرابة 35 عاماً من اللقاءات العلمية والتطورات التي شهدتها المملكة في هذا المجال.
الوصول للجميع
وحمل عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز طفرة أخرى في عدد برامج ومراكز التربية الخاصة واتساع الفئات التي تصل إليها الخدمة، بالتوازي مع تطوير مراكز التأهيل الشامل والرعاية النهارية والتأهيل المهني وبرامج التوظيف، ودعم المؤسسات الأهلية.
وفي 2008 انضمت المملكة إلى اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وبروتوكولها الاختياري، ثم أقر مجلس الوزراء عام 2009 المشروع الوطني للتعامل مع الأطفال ذوي اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، بما أوجد إطاراً لتنسيق خدمات هذه الفئة بين الجهات الحكومية والأهلية.
وفي تلك المرحلة كان مشروع «الوصول الشامل» يفتح بعداً مختلفاً تماماً في فهم الإعاقة. فبعد أعوام من العمل على معاييره، أعلن الملك سلمان، أمير الرياض آنذاك، العاصمة أول مدينة صديقة للأشخاص ذوي الإعاقة في المملكة، وذلك في عام 2010. ولم تعد القضية مرتبطة بما يقدم داخل مدرسة أو مركز تأهيل فقط، وإنما بقدرة الشخص على استخدام المبنى والطريق ووسيلة النقل والمرفق السياحي والخدمة العامة دون أن تصبح البيئة نفسها عائقاً أمامه.
ثم اعتمد مشروع الوصول الشامل على المستوى الوطني بأمر سامٍ عام 2013، مستنداً إلى أدلة للبيئة العمرانية والنقل والوجهات السياحية والإيواء.
الحقوق والتمكين
ومع عهد الملك سلمان ورؤية السعودية 2030 التي يقودها ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، تسارع الانتقال إلى مفهوم التمكين والاستقلالية والمشاركة. ففي 2018 أنشئت هيئة رعاية الأشخاص ذوي الإعاقة لتكون مرجعاً حكومياً جامعاً للحقوق والسياسات وتطوير الخدمات والتنسيق بين القطاعات. وفي 2019 وجه الملك سلمان الجهات الحكومية باعتماد مصطلح «الأشخاص ذوي الإعاقة» في المخاطبات الرسمية والتصريحات الإعلامية.
ثم جاءت المحطة التشريعية الأبرز عام 2023 بصدور «نظام حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة» وإلغاء نظام عام 2000. وبين اسمَي النظامين يمكن قراءة مسيرة عقود كاملة: «الرعاية» بقيت مسؤولية، لكنها أصبحت جزءاً من إطار أوسع عنوانه الحق. أكد النظام عدم التمييز وتكافؤ الفرص وإمكانية الوصول والتعليم والصحة والعمل والحماية والمشاركة، ثم جاءت لائحته التنفيذية عام 2024 لتضع تفاصيل تطبيق هذه الحقوق، وتتبنى مفاهيم حديثة مثل التصميم الشامل والترتيبات التيسيرية والوصول الدامج.
وتأتي النسخة السابعة من المؤتمر الدولي للإعاقة والتأهيل لتضيف محطة جديدة إلى هذه المسيرة، وتعكس ما بلغته قضايا الإعاقة من اتساع وتطور. تغيرت الاحتياجات والأدوات والمصطلحات، واتسعت معها الفرص وتقلصت الحواجز، ليصبح تمكين الشخص ذي الإعاقة من التعلم والعمل والاستقلال والمشاركة الكاملة حقاً أصيلاً، ويصبح هو نفسه شريكاً كاملاً في مسيرة وطن لا يكتمل بناؤه إلا بجميع أبنائه.