د.عيد بن حجيج الفايدي
الرحلة التي غادرت دبي ثم حُوِّل مسارها وهبطت اضطرارياً في مطار الأمير سلطان بن عبدالعزيز بتبوك يوم 30 سبتمبر 2026 لم تكن مجرد حادثة عابرة في حركة الطيران، بل تحوّلت خلال ساعات إلى حادث جوي وأمني استقطب اهتماماً عالمياً واسعاً؛ لأن الخطر، وفق المعلومات الأولية المتداولة، لم يرتبط بعطل فني أو اضطراب جوي، بل بعمل غير طبيعي بين الطيار ومساعده داخل غرفة قيادة الطائرة، وهي أكثر مناطق الطائرة حساسيةً وأشدها ارتباطاً بسلامة الرحلة. وبعد السيطرة على الموقف وتحويل الطائرة إلى تبوك، بدأت مرحلة لا تقل أهمية: التحقيق في ما حدث، وفهم كيفية وقوعه، وتحديد الإجراءات التي حالت دون تحوّله إلى كارثة.
في الساعات الأولى تعددت الروايات؛ فتحدثت تقارير عن محاولة خطف، وأشارت أخرى إلى احتمال وجود محاولة متعمدة لإسقاط الطائرة أو عمل إرهابي، غير أن هذه التوصيفات تظل في نطاق المعلومات الأولية والفرضيات، فالرواية النهائية في الحوادث الجوية لا تُبنى على التسريبات والانطباعات الأولى، بل على البيان الرسمي الذي صدر من وزارة الداخلية. وهنا تكمن أهمية الحادث؛ فهو لا يطرح سؤالاً عن كيفية إنقاذ رحلة واحدة فحسب، بل عن قدرة الطيران المدني على التعامل مع تهديد ينشأ من داخل منظومته التشغيلية لأول مرة، فالطائرات الحديثة مزودة بأنظمة ملاحية واتصالية متقدمة، لكن القرارات الحاسمة في اللحظات الحرجة تظل بيد الإنسان. والتهديد الداخلي يختلف في طبيعته عن العطل الفني أو الظرف الجوي؛ فهو لا يُعالج بإصلاح جهاز أو تجاوز اضطراب، بل بالقدرة على اكتشافه مبكراً وتقدير حجمه واحتوائه في الوقت المناسب.
ولا يُنظر إلى مطار تبوك بوصفه موقعاً انتهت إليه الرحلة فحسب، بل بوصفه جزءاً من منظومة الاستجابة للطوارئ. ويعيد الحادث كذلك فتح ملف حساس يتعلق بالعنصر البشري في غرفة القيادة؛ فسلامة الطيران لا تُختزل في الفحص الأمني للركاب أو في تطوّر الطائرات، إذ يظل الطيارون جزءاً أساسياً من السلامة، ويبقى التحقق المستمر من جاهزيتهم الصحية والنفسية موضوعاً للنقاش المهني وفق المعايير الدولية والوطنية المعمول بها. ويثير ذلك تساؤلات حول مدى كفاية الفحوص الدورية، وآليات الكشف عن المنشطات أو تعاطي المواد المحظورة، وتأثير الأدوية والإرهاق وقلة النوم على الطيار والعاملين معه، ويمكن مقارنة ذلك بالبرامج الصارمة المطبقة في المناسبات والمسابقات الرياضية للكشف عن المنشطات وغيرها من المؤثرات على الجسم والعقل. ويظهر هنا أهمية تطوير أدوات التقييم النفسي والجسدي في المطارات، وهذا اقتراح دون اتهام مسبق لأي فرد، ودون افتراض سبب محدد للحادث. وقد يمتد التقييم كذلك إلى إجراءات الدخول إلى غرفة القيادة وتأمينها، ووسائل التواصل بين الطاقم والمراقبة الأرضية، والاستجابة للحالات غير الاعتيادية، والهدف ليس استبدال الإنسان بالتقنية، بل أن يعملا معاً على اكتشاف الخطر مبكراً وتقليل فرص تكراره وما المانع أن يكون في غرفة القيادة أربع أشخاص ولايقتصر على اثنين فقط.
الحادث يسلّط الضوء على ثغرة حقيقية في حماية غرفة القيادة من التهديدات الداخلية، وقد يؤدي إلى نقاشات وتوصيات حول تعزيز الإجراءات الأمنية والنفسية، وربما تشديد بعض الفحوصات، لكنه لن يغيّر فوراً تصميم الأبواب لتصبح قابلة للفتح بسهولة من الخارج (لأن مخاطره أكبر)، ولن يجعل فحوصات المخدرات إلزامية قبل كل رحلة عالمياً؛ فالسلامة الجوية تعتمد على طبقات متعددة: التصميم والإجراءات وفحص الطاقم. أما الجانب الإنساني فلا ينتهي بتوقف الطائرة على المدرج، فنجاح الاستجابة يُقاس أيضاً بما بعد الهبوط.
وأهمية حادث مطار تبوك ليست في أن طائرة تعرضت للخطر ثم هبطت بسلام فحسب، بل في ما يمكن أن يتعلمه قطاع صناعة الطيران؛ فالسلامة لا تتطور بمحركات أكفأ وطائرات أذكى وملاحة أدق فقط، بل أيضاً بإعادة النظر في المخاطر النادرة التي قد تنشأ داخل المنظومة البشرية نفسها. والتحقيق وحده هو من سيحدد طبيعة الواقعة وأسبابها والمسؤوليات المرتبطة بها، وينبغي ألا تقتصر غايته على البحث عن المخطئ، بل تمتد إلى فهم ما جرى بدقة وسد أي ثغرة أو فجوة تكشفها الأدلة، حتى لا تتكرر الحادثة في أي مكان آخر. وقد شدد بيان وزارة الداخلية على أن الرياض تتعامل مع الحالات الطارئة وفق التزاماتها الدولية والإنسانية، وبما تنص عليه الأنظمة والتعليمات المعتمدة لدى الجهات المعنية، لضمان سلامة وأمن الملاحة الجوية وجاهزية منظومتي الطيران والأمن في المملكة وقدرتهما على الاستجابة السريعة والفعالة للحالات الاستثنائية. حفظ الله الجميع بحفظه.