صبحي شبانة
في الثالثة فجراً، يهتز هاتف في غرفة نوم هادئة، إنذار قصير، ثم صمت ثقيل، ثم أصوات لا يعرف أحد مصدرها، وقبل أن يصل أي بيان رسمي، يكون الخبر قد قطع نصف المنطقة في ثلاث روايات متناقضة، ورسالة صوتية مرتجفة تتنقل بين مجموعات العائلة، وسؤال واحد يتردد في كل بيت، ماذا يحدث الآن؟ في هذه الدقائق الأولى تدور معركة لا تظهرها نشرات الأخبار ولا ترصدها الرادارات، ليس فيها دخان ولا حطام، لكن ساحتها العقول، وذخيرتها الشك، وهدفها أن يفقد الناس ثقتهم بما يرون وبمن يخاطبهم، وتلك حقيقة ينبغي أن تستقر في وعينا الخليجي والعربي بعد كل ما شهدته المنطقة خلال السنوات الأخيرة، فالحرب الحديثة لا تبدأ عند أول انفجار، ولا تنتهي عند آخر إنذار، وإنما تمتد إلى العقول والأسواق والبيوت، بصور أكثر خفاءً وأطول أثراً.
وإذا كانت العقود الماضية قد دفعت دول الخليج إلى الاستثمار بكثافة في منظومات الدفاع، فإن المرحلة المقبلة تحتاج، بالقدر نفسه، إلى الاستثمار في منظومة الوعي، فالأمن المستدام لا ينتج من شراء التكنولوجيا وحدها، وإنما من بناء الإنسان القادر على فهمها والتعامل معها، وعلى إدراك ما يحيط به في لحظات الخطر، كما أن المناعة المجتمعية لا تُبنى بكثرة البيانات الرسمية، وإنما بتراكم الثقة بين الدولة والمجتمع والإعلام، وللإنصاف فقد أنجزت دول المنطقة وفي مقدمتها المملكة في ميدان الدفاع ما يستحق الاعتزاز، بنت منظومات اعتراض متقدمة، ودرّبت كوادر على مستويات رفيعة، وأقامت شراكات واسعة، واستوعبت دروس الأزمات المتتالية بسرعة لافتة، غير أن أحدث المنظومات في العالم لا تستطيع أن تعترض شائعة، ولا أن تصد موجة هلع تنتقل بين الهواتف أسرع من أي صاروخ، ولا أن تعيد الثقة إلى مجتمع اهتزت يقينياته بسبب مقطع مفبرك، وهنا تحديداً تبدأ حدود التقنية، وتبدأ مسؤولية الإنسان.
لقد تغير مفهوم الجبهة تغيراً جذرياً، لم تعد الجبهة خطاً على خريطة، بل صارت شاشة في يد كل مواطن، ومن يريد إرباك مجتمع ما لا يحتاج بالضرورة إلى جيش يعبر الحدود، فقد يكفيه أن ينجح في زرع الشك بين الناس وحكومتهم، أو بين الناس وإعلامهم، أو بين الناس أنفسهم، وحين يتسلل الشك إلى مجتمع، تصبح كل معلومة صحيحة موضع ريبة، وكل بيان رسمي مادة للتأويل، وكل تحذير مشروع سبباً لمزيد من القلق، وهذا هو جوهر حروب الإدراك والوعي، فهي لا تستهدف الجيوش وحدها، وإنما تستهدف قدرة المجتمع على البقاء متماسكاً، وعلى إبقاء المواطن قادراً على التمييز بين الحقيقة والضجيج، ومن هنا تصبح الثقة هي الثروة الأغلى في أوقات الأزمات، والثقة لا تُصنع في لحظة الخطر، وإنما تُبنى في أيام الهدوء، بالصدق المتراكم، والوضوح المعتاد، والاحترام المتبادل، فالمجتمع الذي اعتاد أن يسمع من مؤسساته الحقيقة في الأوقات العادية، يكون أكثر استعداداً لتصديقها حين تتحدث في الأوقات العصيبة، أما حين يطول الصمت، أو تكون التصريحات مقتضبة إلى حد ترك فراغ واسع، فإن الناس يملأون هذا الفراغ بما يصل إليهم من روايات، وقد تأتي الرواية الأكثر انتشاراً من المكان الذي لا يريد أحد أن تأتي منه، فالفراغ المعلوماتي لا يبقى فراغاً، بل يمتلئ دائماً، والسؤال الوحيد هو، من الذي سيملؤه؟.
ولهذا فإن سرعة المعلومة لا تقل أهمية عن دقتها، فالخبر الصحيح الذي يصل متأخراً قد يجد نفسه أمام خبر كاذب سبق أن استقر في وعي الجمهور، وحين تتأخر الجهات الرسمية في تقديم ما تعرفه، يسبقها الآخرون بروايات أكثر إثارة وأقل صدقاً، ثم تصبح مهمة التصحيح أصعب كثيراً من مهمة الإبلاغ الأول، والناس لا يطلبون من دولتهم أن تعرف كل شيء في كل لحظة، لكنهم يطلبون منها أن تقول بوضوح ما تعرفه، وما لا تعرفه، وما تزال تتحقق منه، فالاعتراف بحدود المعرفة لا يضعف الدولة، بل قد يعزز مصداقيتها، لأن الناس يميزون بين من يتحدث بما يعرف، ومن يحاول أن يخفي ما لا يعرف، وفي هذا السياق يكتسب الإعلام دوراً يتجاوز مجرد نقل الخبر إلى صناعة الاستقرار المعرفي، فالإعلام المسؤول ليس غرفة صدى للبيانات الرسمية، وليس في المقابل منصة لمطاردة السبق على حساب الدقة، وإنما هو المساحة الصعبة بين الطرفين، يتحقق، ويشرح، ويفسر، ويضع الحدث في سياقه، ويفرق بين الواقعة والتحليل، وبين المعلومة والانطباع، وفي زمن الأزمة لا تكون الكلمة مجرد خبر، إنها مادة تشكل المزاج العام، قد تهدئ وقد تؤجج، وقد تساعد الناس على فهم الخطر أو تدفعهم إلى تضخيمه، والإعلام الذي يدرك هذه المسؤولية يحول المعلومة من مصدر للقلق إلى أداة للاستقرار، لأنه يقدمها بميزانها الصحيح، لا بضجيجها.
المسؤولية لا تقع على الإعلام وحده، فالمواطن نفسه أصبح شريكاً في هذه المعركة، كل هاتف منصة نشر، وكل حساب مصدر محتمل لمعلومة قد تساعد على تهدئة الناس أو تساهم، من حيث لا يقصد صاحبها، في إشعال الذعر، وقد تبدو إعادة إرسال رسالة غير موثقة فعلاً بسيطاً وبريئاً، لكنها في لحظة التوتر قد تصبح حلقة في سلسلة تضخيم لا يعرف أحد أين تنتهي، ولذلك فإن بناء الوعي لا يعني فقط تحصين المواطن من التضليل، وإنما تعليمه ألا يكون ناقلاً له من غير قصد، والمجتمع الواعي هو الذي يتوقف لحظة قبل أن يضغط زر الإرسال، ويسأل نفسه، من قال هذا، وما الدليل، ولماذا يصلني الآن؟، ومن هنا تأتي الحاجة إلى التربية الإعلامية والرقمية بوصفها جزءاً أصيلاً من منظومة الأمن، لا نشاطاً ثقافياً هامشياً، ينبغي أن تدخل مهارات التحقق من المصادر، وكشف المحتوى المفبرك، وفهم أساليب التضليل، إلى المناهج الدراسية، وإلى برامج تدريب الموظفين، وإلى حملات التوعية العامة، فالطالب الذي يتعلم كيف يميز الخبر الموثوق من المصطنع يحمل في حقيبته درعاً لا يقل أهمية عن كثير من أدوات الحماية التقنية، والموظف الذي يعرف كيف تعمل حملات التأثير يصبح خط دفاع أول في مكان عمله، وهذه استثمارات طويلة الأمد، وكلفتها أقل بكثير من كلفة معالجة أزمة بعد وقوعها.
لكن حرب الإدراك لا تستهدف المشاعر وحدها، إنها تستهدف القرارات أيضاً، وهنا يصبح الاقتصاد أحد ميادينها المهمة، فالأسواق تتحرك بالتوقعات بقدر ما تتحرك بالوقائع، وقد يكفي خبر مبالغ فيه لزعزعة ثقة مستثمر أو دفع مدخر إلى قرار متعجل، ودول الخليج التي بنت سمعتها على الاستقرار والانفتاح وجذب رؤوس الأموال تدرك أن هذه السمعة أصل استراتيجي لا يقل أهمية عن كثير من مواردها المادية، ومن ثم فإن حماية الصورة الحقيقية للمنطقة من التشويه ليست ترفاً دعائياً، وإنما حماية لمصالح ملايين الناس الذين ترتبط أعمالهم واستثماراتهم وثرواتهم بدرجة الثقة في استقرار هذا الإقليم، والشفافية الاقتصادية السريعة، وتوضيح الحقائق قبل أن تتضخم الإشاعات، والقدرة على التواصل الواضح مع المستثمرين والأسواق، كلها أصبحت أدوات من أدوات الأمن في زمن الأزمات.
وهناك بعد آخر لا يقل أهمية، هو البعد النفسي، فالمجتمعات التي تعيش في ظل التهديد المتكرر قد تقع في أحد أمرين، الاستهانة أو الهلع، الأول يجعلها تتجاهل التحذيرات المشروعة فتعرّض نفسها للخطر، والثاني يجعلها تضخم كل إشارة فتشل حياتها، أما الوعي الحقيقي فهو الطريق الوسط بينهما، أن يعرف الناس حجم الخطر بلا تهوين ولا تهويل، وأن يواصلوا حياتهم الطبيعية بقدر معقول من اليقظة، وهذا التوازن لا تصنعه الشعارات، وإنما يصنعه خطاب هادئ وصادق يحترم عقول الناس، ويمنحهم ما يكفي من المعلومات لفهم ما يحدث من دون أن يحول كل تطور إلى مصدر للذعر، فالمجتمعات لا تنهار فقط بسبب الخطر الذي تعرفه، وإنما قد تضطرب بسبب الخطر الذي تجهله أو تتخيله، ولهذا لا يمكن للخليج أن يتعامل مع أمنه باعتباره مسألة حدود وقواعد ومنشآت فقط، فالمنطقة تعيش وسط بيئة إقليمية سريعة التحول، حيث يمكن أن يبدأ التهديد بصاروخ أو طائرة مسيّرة، لكنه قد يستمر بعد ذلك في صورة شائعة، أو حملة تضليل، أو موجة هلع اقتصادي واجتماعي، ومن هنا فإن بناء الأمن يعني بناء القدرة على مقاومة الخوف بقدر ما يعني بناء القدرة على مقاومة الهجوم.
السلاح يحمي الحدود، لكن الوعي يحمي المجتمع، والتكنولوجيا تمنح الدولة أدوات الدفاع، بينما تمنحها الثقة القدرة على الصمود حين تختبر الأزمات تماسكها، والإعلام لا تكتمل مهمته بمجرد نقل ما يحدث، وإنما تبدأ مسؤوليته الحقيقية حين يساعد الناس على فهم ما يحدث، ويفصل لهم الحقيقة عن الضجيج، والواقعة عن التأويل، والخطر الحقيقي عن الخوف المصنوع، ولعل أهم ما تكشفه حروب هذا العصر أن المعركة لم تعد تدور في ميدان واحد، فهناك ميدان القوة الذي تُحمى فيه الأرض، وميدان الوعي الذي تُحمى فيه إرادة المجتمع، وإذا كان الأول يمنع الخصم من اختراق الحدود، فإن الثاني يمنعه من اختراق النفوس وزرع الشك والخوف فيها.
ومن هنا فإن الرهان لا ينبغي أن يكون على امتلاك أقوى أدوات الدفاع فحسب، وإنما على بناء مجتمع يعرف كيف يستخدم قوته، وكيف يقرأ ما يصله، وكيف يميز بين التحذير الحقيقي والحرب النفسية، وبين المعلومة التي تستحق أن تُصدق والرواية التي صُممت لكي تُربك، نحتاج إلى سماء محصنة بأحدث ما تنتجه التقنية، وإلى عقول محصنة بما هو أعمق وأبقى، بالمعرفة، والصدق، والثقة، لأن الدول قد تستطيع اعتراض صاروخ في السماء، لكنها لا تستطيع نزع الخوف بعد أن يستقر في الوعي، ولا تستطيع إيقاف الشائعة بعد أن تتحول إلى يقين، ولا تستطيع استعادة الثقة بعد أن تتآكل بسهولة.
ولهذا فإن أقوى المجتمعات في زمن الحرب ليست بالضرورة تلك التي لا تخاف، وإنما تلك التي تعرف كيف تدير خوفها، ولا تسمح له بأن يتحول إلى هلع، ولا للشك بأن يتحول إلى فقدان للثقة، ولا للضجيج بأن يطغى على الحقيقة، مجتمع يعرف أن دولته تصارحه حين تعرف، وتقول له حين لا تعرف، وإعلام يحترم عقله فلا يخفي عنه الحقيقة ولا يضخمها، ومواطن يدرك أن مسؤوليته لا تنتهي عند تلقي المعلومة، بل تبدأ حين يقرر ماذا يفعل بها. عندها يصبح الوعي خط دفاع لا يقل أهمية عن أي منظومة دفاع أخرى، وتصبح الحقيقة نفسها جزءاً من الأمن، ويصبح تماسك المجتمع أحد أهم الأسلحة التي لا تُرى، لكنها قد تحسم في النهاية معركة لا تستطيع الرادارات وحدها أن تراها.
ولعل المملكة تقدم في هذا السياق تجربة جديرة بالتأمل، فقد عملت خلال السنوات العشر الماضية، منذ إطلاق رؤية السعودية 2030 عام 2016، على بناء علاقة جديدة بين الدولة والمجتمع، قوامها التمكين والمشاركة والثقة، فلم يعد المواطن مجرد متلقٍ لنتائج التنمية، وإنما أصبح جزءاً من مسيرتها وهدفاً رئيسياً لها وشريكاً في صناعة مستقبلها، وهو ما انعكس في توجهات الرؤية نحو تمكين المواطنين، وتعزيز مشاركتهم، وتقوية قنوات التواصل بينهم وبين مؤسسات الدولة. ومن هنا فإن ما تحصّن به المجتمع السعودي اليوم لا يقتصر على منظومات الأمن والدفاع، وإنما يمتد إلى رصيد من الثقة تراكم مع التحولات التي عاشتها المملكة خلال العقد الماضي، وهي ثقة تصبح في أوقات الأزمات خط دفاع هادئاً وعميقاً، لأن المجتمع الذي يشعر بأنه جزء من معادلة وطنه، يكون أكثر قدرة على الصمود، وأكثر وعياً بما يحيط به، وأقل قابلية لأن يصبح ساحة سهلة للخوف أو التضليل.