أنس تشكالا
دخل شاب إلى مقهى جديد، نظر إلى قائمة المشروبات طويلًا، ثم رفع عينيه إلى الطاولة المجاورة، كان معظم الجالسين يحملون الكوب نفسه. سأل النادل عنه، وطلبه دون أن يعرف كثيرًا عن مذاقه. وحين وصل الكوب، التقط له صورة، وربما كان سعيدًا به أكثر لأنه كان اختيارًا شائعًا. قد تبدو الحكاية صغيرة ولا تستحق التوقف، لكنها تكشف شيئًا يحدث معنا أكثر مما نعتقد. فنحن لا نختار دائمًا لأننا بحثنا، وقارنّا، واقتنعنا؛ أحيانًا نختار لأن الآخرين اختاروا.
نرى طابورًا طويلًا أمام متجر، فنفترض أن ما يبيعه يستحق الانتظار. نسمع أن كتابًا أصبح الأكثر مبيعًا، فنشعر برغبة في قراءته. ينتشر رأي في وسائل التواصل، فنجد أنفسنا نميل إليه قبل أن نسأل: ما حجته؟ يصبح مكان ما مشهورًا، فنضعه في قائمة الأماكن التي ينبغي أن نزورها. وقد نسمع أن تخصصًا معينًا هو «المستقبل»، فنفكر في اختياره، لا لأنه يناسبنا، وإنما لأن كثيرين سبقونا إليه.
المفارقة أن كثرة الذين اختاروا الشيء قد تمنحه في أذهاننا قيمة لم تكن موجودة قبل ذلك. وهنا يظهر ما يعرف في علم النفس بـ تأثير القطيع أو الـBandwagon Effect؛ أي الميل إلى تبني سلوك أو رأي أو اختيار لأن عددًا متزايدًا من الناس يتبناه. نحن بطبيعتنا نراقب الآخرين، ونستفيد من تجاربهم، وهذا ليس أمرًا سلبيًا في ذاته. فالجماعة تساعد الإنسان على اتخاذ قرارات كثيرة، وتمنحه إشارات عن الأشياء النافعة أو المقبولة اجتماعيًا.
لكن المشكلة تبدأ حين تتحول إشارة الآخرين إلى بديل عن حكمنا الخاص. فبدل أن نسأل: «هل هذا مناسب لي؟» نسأل: «كم شخصًا اختاره؟». وبدل أن نسأل: «هل هذا الرأي صحيح؟» نسأل: «كم شخصًا يؤمن به؟». وبدل أن نكتشف ما نريده، قد نبدأ في اكتشاف ما يريده الناس منا. ولعل وسائل التواصل الاجتماعي جعلت هذه الظاهرة أكثر وضوحًا. فالشيء الذي يحصل على آلاف الإعجابات يبدو لنا جديرًا بالاهتمام، والمقطع الذي يشاهده الملايين يبدو وكأنه يحمل بالضرورة شيئًا يستحق المشاهدة، والحساب الذي يتابعه الجميع يصبح من الصعب تجاهله. الأرقام هنا لا تخبرنا فقط بما يفعله الناس، بل تبدأ أحيانًا في إخبارنا بما ينبغي أن نفعله.
نرى عدد المشاهدات قبل أن نشاهد المحتوى، وعدد التقييمات قبل أن نجرب المكان، وتعليقات الآخرين قبل أن نكوّن انطباعنا. وهكذا يدخل حكم الجماعة إلى تجربتنا قبل أن تبدأ التجربة نفسها. قد نحب شيئًا لأننا أحببناه، لكننا قد نحبه أيضًا لأن الجميع أخبرونا أنه يستحق الحب. وهذا لا يحدث في الأشياء الاستهلاكية وحدها. حتى الآراء يمكن أن تنتقل بالطريقة نفسها. قد يقرأ الإنسان تعليقًا فيرى تحته آلاف المؤيدين، فيشعر أن الاعتراض أصبح نوعًا من الشذوذ. وقد يسمع رأيًا يتكرر كثيرًا حتى يبدو له أنه حقيقة لا تحتاج إلى نقاش. ومع تكرار الفكرة، تتراجع الحاجة إلى السؤال عنها.
وهنا تصبح الشعبية قريبة من الحقيقة في أذهاننا، مع أن الاثنين ليسا شيئًا واحدًا. فليس كل ما يتفق عليه الناس صحيحًا، وليس كل ما يرفضه الناس خاطئًا. والتاريخ مليء بأفكار كانت شائعة ثم تغيرت، وأخرى بدأت عند أفراد قليلين ثم أصبحت جزءًا من المعرفة العامة. لكن لماذا يصعب علينا أحيانًا أن نكون وحدنا في اختيارنا؟
ربما لأن الإنسان لا يبحث عن الصواب فقط، بل يبحث أيضًا عن الشعور بالأمان. عندما نرى الآخرين يسيرون في الطريق نفسه، نشعر أن احتمال الخطأ أقل. وإذا أخطأنا معهم، فلن نشعر أننا أخطأنا وحدنا. أما أن نختار طريقًا مختلفًا، فيعني أن نتحمل مسؤولية اختيارنا. وهذا أكثر صعوبة. لذلك قد يكون اتباع الآخرين مريحًا. إنه يعفينا أحيانًا من السؤال، ومن المقارنة، ومن احتمال الندم. فإذا سألنا أنفسنا بعد ذلك: لماذا اخترت هذا؟ نستطيع بسهولة أن نقول: لأن الجميع فعلوا ذلك. لكن هل تكفي هذه الإجابة؟ ربما نحتاج بين حين وآخر إلى أن نراجع الأشياء التي نعتقد أننا اخترناها بأنفسنا.
كم من ذوقنا تشكل لأن الآخرين قالوا لنا إنه جميل؟ كم من آرائنا جاءت من قراءة طويلة وتأمل شخصي، وكم منها وصل إلينا جاهزًا؟ كم من قراراتنا كانت نتيجة رغبة حقيقية، وكم منها كان خوفًا من أن نبدو مختلفين؟ وكم مرة قلنا «أحب هذا» بينما كانت الجملة الحقيقية في أعماقنا: «الجميع يحب هذا»؟
لا يعني هذا أن نرفض كل ما يفعله الآخرون لمجرد إثبات استقلالنا، فمخالفة الجماعة ليست دليلًا على الاستقلال، كما أن الاتفاق معها ليس دليلًا على التبعية. قد يختار الجميع شيئًا لأنه جيد فعلًا، ومن الطبيعي أن نتعلم من الآخرين ونستفيد من تجاربهم. الاستقلال الحقيقي ليس أن نقول «لا» حين يقول الآخرون «نعم». الاستقلال أن نعرف لماذا نقول نعم، ولماذا نقول لا. أن نستطيع أن نوافق الآخرين دون أن نفقد قدرتنا على التفكير، وأن نختلف عنهم دون أن نحول الاختلاف إلى بطولة شخصية.
وربما أجمل ما يمكن أن نفعله قبل بعض الاختيارات هو أن نؤخر النظر إلى اختيارات الآخرين قليلًا. أن نقرأ الكتاب قبل أن نقرأ تقييماته. أن نجرب المكان قبل أن نسأل الناس عن تجربتهم. أن نستمع إلى الفكرة قبل أن ننظر إلى عدد مؤيديها. أن نسأل أنفسنا أولًا: ماذا أريد أنا؟
ففي عالم تتسارع فيه الموجات، يصبح من السهل جدًا أن نركب الموجة قبل أن نسأل إلى أين تتجه. وقد لا نكتشف أننا كنا نتبع الآخرين إلا بعد أن نصل إلى مكان لم نختره حقًا. لهذا ربما لا نحتاج إلى أن نكون مختلفين دائمًا، لكننا نحتاج إلى أن نكون واعين باختياراتنا. أن نعرف متى نتبع، ومتى نتوقف، ومتى نقول: هذا مناسب لي، ومتى نقول: لا أعرف لماذا يفعله الجميع، ولذلك لن أفعله حتى أعرف.
فالحياة ليست مسابقة في الوصول إلى ما وصل إليه الآخرون. وليس المطلوب أن نختار عكس الجميع، بل أن نمتلك من الوعي ما يجعل اختيارنا اختيارًا حقيقيًا. وفي عالمٍ يخبرنا كل يوم بما يشتريه الناس، وما يشاهدونه، وما يقرؤونه، وما يحبونه، وما يرفضونه، ربما يصبح السؤال الأكثر أهمية: لو لم يختره أحد قبلي... هل كنت سأختاره أنا؟ قد تكون الإجابة أحيانًا «نعم»، وقد تكون «لا»، لكن مجرد قدرتنا على طرح السؤال تعني أننا بدأنا نستعيد شيئًا ثمينًا حقنا في أن نختار، لا أن نكرر الاختيار.