حسن بن مريّع
يقوم الوجود الإنساني على ناموسٍ فطريٍّ بديع تتكامل فيه ثنائية الجلال والجمال؛ فجانب الجلال ظاهرٌ يواجه القسوة ويحمي بالقوة، وجانب الجمال باطنٌ يستقر فيه اللين وتنبض فيه السكينة والحياة.
لذا فالمرأة هي اللؤلؤة المكنونة، وظيفتها أن تحفظ النقاء والسكينة في الداخل، والرجل هو الصدفة الصلبة التي تحميها وتواجه قسوة الخارج لتبني حولها سياج الأمان.
وتتضح طبيعة المرأة الأكثر اتصالًا بالعالم الداخلي والاحتواء، والأشد حساسية واستقبالًا لما يحيط بها، في حملها لكروموسومي (XX) فهي قطب الاستقبال (Yin)، بخلاف الرجل الذي يحمل (XY) ليمثل قطب الإرسال (yang). إذ أنّ تركيبتها العضوية والنفسية تؤكّد ذلك وتهيؤها للقيام بوظائف السكن والاحتواء والرعاية، وهذه الوظائف تتطلب الطمأنينة واللين والسكينة. في حين إن صلابة الرجل العضلية والنفسية تزداد بمواجهة الصعوبات وبذل الجهد ومغالبة الواقع عبر نظام الهدم والبناء؛ إذ يدفعه التحدي إلى تطوير قدرته على التحمل وإنتاج هرمونات مرتبطة بالاستجابة للضغط والبأس.
ولتقريب هذه الفكرة يمكننا تشبيهها بالـ (Mic) الحساس الذي (يستقبل) الأصوات والمؤثرات المحيطة به، وتشبيهه بمكبرات الصوت الخارجية التي (ترسل) وهي تتعرض للشمس والهواء والحرارة والأتربة في أعلى المنارات دون أن تتأثر. وكما تبرز أهمية الفلتر للـ (Mic) لمنع التشويش والحماية من المؤثرات المزعجة، يأتي الحجاب بوصفه فلترًا يحمي المرأة من تلك المؤثرات، ويحفظ هدوءها وخصوصيتها وطاقتها من التبدد. فالستر ليس مجرد وسيلة لمنع أعين الرجال أو تجنب المشكلات الاجتماعية، بل هو مساحة ضرورية للنمو وحفظ الكيان، وتعبيرٌ عن احترام الذات وعن سيادتها على صورتها وحدودها، إذ يمنحها حق تقرير من يرى منها، وماذا ومتى يرى.
في حين أن هذه السيادة لا تتوقف على الآخرين؛ فهي تصلي بحجابها، حتى ولو كانت منفردة في غرفة مظلمة، مما يبين انه يمثل علاقة خاصة بينها وبين ربها ونفسها قبل أن يكون مظهرًا اجتماعيًا. بل إن ماهو أعمق من ذلك وأدق هو ماتدركه ذات الوعي العالي والشعور العميق بذاتها، حين تتعرض للعراء أثناء رحلات الاستجمام والتنزه على شاطئ أو في قفر لا يراها فيه أحد، فينفتح كيانها الحساس على الأفق الواسع؛ فتشعر بتشتت طاقتها وانكشاف نفسها، فإذا ما عادت إلى منزلها، سارعت إلى ارتداء حجابها والتمامها فيه؛ وهي في بيتها وفي غرفتها ولوحدها؛ لتجمع بذلك شتاتها وشعثها، وترمم ما شعرت به من تمزق داخلي، فتغلق منافذ الاستقبال لتستعيد هدوءها ومركزها الباطني.
ومن جانب آخر متصل بذلك، فإن اختيار اللون الأسود ينسجم تمامًا مع هذه الفلسفة؛ فهو لونٌ يمنع مرور المشاعر والترددات، ويمتص الأشعة ويمنعها عن الانتشار. ويشبه ذلك كسوة الكعبة المشرفة التي تمنع النظر من التمدد والانتشار، فتأسر الانتباه في الهيبة والمعنى والمكانة، ناقلةً التركيز من مركزية الشكل إلى مهابة الجوهر والكيان. ولهذا السبب عينه، فقد كان السياف والسجان في العصور السابقة يرتديان اللون الأسود؛ لكيلا يتأثرا بمشاعر المساجين أو المحكوم عليهم بالإعدام أو أهاليهم، ولصد نظرات الناس وعواطفهم الجارفة نحوهم؛ حيث يمتص هذا اللون تلك المشاعر ويحجبها فلا تنفذ إليهم ولا تستنزفهم. وهذا البُعد يغدو أشد إلحاحًا في عصرنا الحالي؛ عصر الاستهلاك ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث تُعرض التفاصيل على فضاء كبير، وتتحول صورة الأنثى إلى مادة للتقييم. ورغم كل ذلك فإن الحجاب يمنح المرأة حق الحضور دون انكشاف، والفاعلية دون التحول إلى شاشة عرض.
إن اللؤلؤة لا تحمي نفسها بأن تتعلم طبيعة غبار الشر والمكيدة، وإنما بحفظ نفسها من ملامسة ذلك الغبار أصلًا؛ فالوعي الحسي المرهف للمرأة ينقل المؤثرات مباشرة إلى العقل الباطن، فيولد الشكوك والاضطراب ويفقد السريرة صفاءها. ولذلك امتدح الله المؤمنات في القرآن الكريم بوصفهن بـ«الغافلات» في سياق العفة والنزاهة؛ تعبيرًا عن البعد التام عن الرذائل والتنزه عن معرفتها والانشغال بها.
وحين تختلط الأدوار، فإن الضرر لا يقع على المرأة وحدها؛ فاكتسابها لصفات الخشونة والصلابة يضعف التوازن بين الطرفين، فيفقد الرجل جلاله، وتفقد المرأة جمالها، ويضطرب النمو النفسي للأبناء داخل أسرة ضيعت حدودها وأدوارها. والمرأة التي تبني بنفسها نموذجًا رجوليًا؛ ستبحث لاحقًا عما يعوض جانب الأنوثة والسكينة الذي فقدته، ولن تجد ذلك عند الرجل فضلاً عن رجلٍ باتت تنافسه وتتبنى دوره بدلاً من أن تتكامل معه وتتغذى من رعايته.
وفي النهاية، فإن الوجود الإنساني لايستقيم إلا حين يحافظ كل طرف على خصائصه الفطرية؛ فالرجل صدفة مهيبة يواجه قسوة الواقع ويبني سياج الأمان والجلال، والمرأة لؤلؤة رقيقة تحفظ داخل هذا السياج معنى السكينة والجمال. إنها ليست علاقة تفاضل، بل علاقة تكامل وجودي؛ فالصدفة بلا لؤلؤة مجرد قشرة خاوية، واللؤلؤة بلا صدفة مجرد حجرة معرضة للتلف والضياع. وفي هذا التلاقي يتعانق جلال القوة بجمال السكينة، وتلتقي الحماية بالاحتواء؛ ليصبح الاختلاف سياجًا يبني الأسرة لا شرارة تشعل الصراع.