رسيني الرسيني
على ضفاف البحر الميت، حدث حي لأكثر من ألفي متخصص في التأمين من أنحاء العالم تحت سقف واحد، تحمل أحاديثهم أسئلة المستقبل وهموم الحاضر. هناك على أرض الأردن، يجمع المؤتمر العام للاتحاد العام العربي للتأمين خبرات تتجاوز الحدود، تحت عنوان «العودة إلى المبادئ». ولعل جمال المشهد يتجاوز كثافة الحضور إلى معنى اجتماع صناعة تقوم على التعاون، حيث تصبح هذه التجمعات مساحة اقتصادية لتقريب أصحاب المخاطر ممن يملكون القدرة على تحملها، وربط الاحتياجات برأس المال والخبرة، وتحويل العلاقات المهنية إلى فرص تدعم استمرارية الأعمال وثقة المستثمرين وقدرة الاقتصادات على مواجهة الصدمات، وصناعة مستقبل مستقر للأفراد والمؤسسات في مختلف الأسواق.
وتنبع القيمة الاقتصادية لهذا التجمع من طبيعة التأمين ذاته، إذ لا تستطيع سوق واحدة الاحتفاظ بكل المخاطر، ولا تملك شركة منفردة جميع الخبرات. لذلك يتيح حضور شركات التأمين وإعادة التأمين والوسطاء والجهات الرقابية تبادل المعرفة وتوسيع القدرة الاستيعابية وبناء حلول تلائم احتياجات الأسواق. ومع تطور أدوات نقل المخاطر، تجد المصانع والمستشفيات وشركات النقل والمشروعات الكبرى مساحة أوسع للعمل والاستثمار. كما تمنح اللقاءات الأسواق العربية فرصة لعرض احتياجاتها أمام شركاء عالميين، واستقطاب خبرات تساعدها على تطوير المنتجات وتحسين التسعير. ومن هنا، تقاس قيمة المؤتمر بما ينتقل من قاعاته إلى الاقتصاد من اتفاقات وحلول وممارسات، ترفع جودة الحماية وتدعم نمو الأعمال وتزيد قدرتها على الاستمرار بثقة أكبر.
أما «العودة إلى المبادئ» فتحمل مضمونًا اقتصاديًا يتجاوز الدعوة الأخلاقية، فمنتهى حسن النية أصل تقوم عليه العلاقة التأمينية، وتنعكس جودتها على استعداد الأفراد والمؤسسات لشراء الحماية وتجديدها، فعندما يفهم العميل التغطيات والاستثناءات، وتلتزم الشركة بتعويض المطالبات المستحقة دون تأخير، تتراجع النزاعات وتتحسن تجربة المستفيد وتنخفض تكاليف المعالجة. وفي المقابل، قد يجذب خفض الأسعار بعيدًا عن الأسس الفنية أعمالاً جديدة، لكنه يضعف القدرة على الوفاء بالالتزامات ويهدد استدامة الشركات، ولذلك فإن الالتزام بالمبادئ يحمي حقوق العملاء، ويعزز متانة الشركات، ويمنح قطاع التأمين أساسًا مستدامًا للنمو ودعم الاستثمار والاستقرار الاقتصادي.
وبلغة الأرقام، بلغت أقساط التأمين في الدول العربية نحو سبعين مليار دولار عام 2025م، بما يعادل 1,7 % من الناتج القومي العربي، وهي نسبة منخفضة مقارنة بدول العالم الذي يتجاوز 6 % الأمر الذي يتطلب تعزيز دور القطاع في الاقتصاد بشكل يمكنه من توسيع قاعدة المستفيدين وتطوير منتجات تستجيب لاحتياجات الأفراد والمنشآت، خصوصاً الفئات والأنشطة الأقل تغطية. كما يتطلب بناء الثقة عبر وضوح الشروط وعدالة تسوية المطالبات، مع تسعير فني يحفظ قدرة الشركات على الوفاء بالتزاماتها. وعندما يقترن التوسع بجودة الحماية وكفاءة إدارة المخاطر، تصبح زيادة الأقساط مؤشرًا على سوق أكثر نضجًا، مما يسهم في تقليل التعثر ودعم التمويل وتشجيع الاستثمار وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
حسنًا، ثم ماذا؟
بهذه المقالة، أُكمل مئة مقالة في صحيفة الجزيرة، آملاً أن أكون قد قدمت ما ينفع القارئ، وأن أُوفق فيما سأطرحه مستقبلاً.