فاطمة الجباري
ليست كل الجرائم تُرتكب في الأزقة المظلمة، ولا يحمل مرتكبوها سلاحًا أو يتركون خلفهم بصماتٍ تدينهم.
هناك جرائم أكثر خفاءً، لا تُفتح لها ملفات في المحاكم، ولا تُصدر بشأنها أحكام قضائية، لكنها تترك في القلب ندوبًا قد لا يراها أحد.
هناك من يقتل إنسانًا بكلمة، دون أن يلمسه.
ومن يهدم ثقةً بُنيت في سنوات، بجملة عابرة.
ومن يمنح الأمان ثم يسلبه فجأة، وكأن مشاعر الآخرين لعبة لا ثمن لها.
هناك جريمة الخذلان.
أن تكون سندًا لإنسان في ضعفه، ثم حين تحتاج إليه يدير لك ظهره.
أن تفتح له قلبك، فيفتح جرحك أمام الآخرين.
وهناك جريمة كسر الخاطر.
أن تعرف موضع الألم في قلب شخص، ثم تختار أن تضغط عليه عمدًا.
أن تعلم أن كلمة منك ستؤذيه، فتقولها بلا رحمة، ثم تمضي وكأن شيئًا لم يكن.
وهناك جريمة التجاهل.
أن ترى من يحبك يتغير أمام عينيك، وأن تدرك حاجته إلى كلمة، أو سؤال، أو احتواء، ثم تختار الصمت.
فبعض الصمت ليس حيادًا، بل قسوة.
وهناك جريمة تشويه السمعة.
أن تنقل حديثًا لم تتأكد منه، أو تزرع شكًا في قلوب الآخرين، ثم تختبئ خلف عبارة: «كنت أمزح».
فالكلمة حين تخرج لا تعود ملكًا لصاحبها، وقد تهدم بيتًا، أو تفسد علاقة، أو تقتل مكانة إنسان.
وهناك جريمة استغلال الطيبة.
أن تعرف أن أمامك قلبًا يسامح، فتتمادى.
وأن تدرك أن شخصًا يخشى خسارتك، فتستخدم خوفه لتفرض عليه ما لا يرضاه.
وأسوأ الجرائم ربما تلك التي يرتكبها الإنسان بحق من أحبه؛
حين يأمنه الآخر، فيؤذيه من حيث لا يتوقع.
فالغريب قد يجرحك، لكن جرح القريب يصل إلى مكان لا تصل إليه السهام.
هذه الجرائم قد لا يعاقب عليها القانون، لكن الحياة لا تنسى كل شيء.
فلكل فعل أثر، ولكل كلمة صدى، ولكل قلب مكسور ذاكرة.
وقد لا يقف الظالم أمام قاضٍ،
لكنّه سيقف يومًا أمام ضميره.
وقد لا يُستدعى شاهدٌ إلى المحكمة،
لكنّ الأيام تحمل شهاداتها في تفاصيل الحياة.
لذلك، لا تجعل غياب العقوبة القانونية ذريعةً للقسوة.
فالأخلاق قانونٌ آخر، والضمير محكمةٌ لا تغلق أبوابها، والله سبحانه لا تخفى عليه خافية.
فاحذر أن تكون مجرمًا في حياة إنسان، لمجرد أن القانون لا يملك مادةً تعاقبك على ذلك.
ربما ينسى الناس ما قلت،
لكنهم لن ينسوا كيف جعلتهم يشعرون.
وربما تنتهي الحكاية دون محاكمة،
لكن بعض القلوب تبقى تحمل آثار الجريمة طويلًا.
فلا تكن ممن ينجون من عقوبة القانون،
ويخسرون إنسانيتهم أمام أنفسهم.