عبدالرحمن العطوي
لم تكن الطائرة التابعة لشركة فلاي دبي التي اضطرت إلى الهبوط في مطار الأمير سلطان بن عبدالعزيز الدولي بتبوك قبل أيام مجرد طائرة واجهت ظرفا طارئا ثم انتهى الأمر بسلام ولم تكن الواقعة مجرد خبر عابر في حركة الطيران وإنما كانت مشهداً سعودياً متكاملاً كشف في ساعات قليلة حجم الجاهزية التي تعمل بها مؤسسات الدولة وقدرتها على التعامل مع الظروف الاستثنائية بأعلى درجات المهنية والهدوء والانضباط وأكد في الوقت نفسه أن الإنسان في المملكة يظل أولا مهما كانت الظروف ومهما كانت وجهته ومهما كانت خلفيته.
كانت الطائرة تحمل 174 راكبا إضافة إلى أفراد طاقمها وكانت في موقف يحتاج إلى أعلى درجات الاستعداد والدقة وسرعة الاستجابة وكان مطار الأمير سلطان بن عبدالعزيز الدولي بتبوك أمام حالة تتطلب التعامل معها وفقا لأعلى معايير السلامة الجوية حيث لا مجال للاجتهاد ولا مكان للتردد ولا وقت يسمح بالخطأ فكل دقيقة كانت تعني الكثير وكل إجراء كان مرتبطا بسلامة أرواح بشر كانوا في السماء بينما كانت على الأرض منظومة متكاملة تستعد لاستقبالهم.
ومنذ اللحظة التي تلقت فيها الجهات المختصة إشارة وجود حالة تستدعي الهبوط الاضطراري بدأت منظومة الجاهزية تعمل بكامل طاقتها وأخذت الأجهزة المختصة مواقعها وتحركت الفرق المعنية وأصبحت الطواقم الإسعافية والطبية والأمنية والفنية على أهبة الاستعداد للتعامل مع كافة الاحتمالات لكن اللافت في هذا المشهد أن كل هذا الاستنفار الكبير جرى بهدوء كامل ودون ضجيج ودون استعراض ودون أن تتحول حالة الطوارئ إلى حالة من الهلع في محيط المطار.
كان هناك عمل ضخم يجري خلف المشهد بينما كانت الحياة في تبوك تسير بصورة طبيعية ولم يكن من يمر بالقرب من المطار أو يسلك الطرق المؤدية إليه يشعر بحجم الاستعداد الذي كان قائما لاستقبال طائرة تحمل هذا العدد الكبير من الركاب في حالة اضطرارية وهنا تظهر قيمة الاحتراف الحقيقي فالجاهزية ليست أن يراك الناس وأنت تستعد وإنما أن تكون مستعدا عندما تأتي اللحظة التي تحتاج فيها إلى ذلك والنجاح ليس في أن يسمع العالم أصوات الإنذار وإنما في أن تهبط الطائرة بسلام وأن يصل الركاب إلى الأرض وهم آمنون وأن تنتهي الحالة دون أن يشعر الناس بحجم ما كان يجري خلف الكواليس.
إن تطبيق أعلى معايير السلامة الجوية لا يبدأ عند لحظة هبوط الطائرة وإنما يبدأ قبل ذلك بوقت طويل من خلال خطط معدة مسبقا وإجراءات دقيقة وتدريب مستمر وتنسيق متكامل بين مختلف الجهات والأجهزة المختصة وحين وصلت إشارة الحالة الطارئة لم يكن أمام الجهات المعنية في مطار الأمير سلطان بن عبدالعزيز الدولي بتبوك سوى تفعيل ما تدربت عليه وما أعدت له فكل جهة تعرف مسؤوليتها وكل فريق يعرف دوره وكل احتمال له إجراءاته المحددة وعندما تم السماح للطائرة بالهبوط في مطار تبوك لم يكن ذلك قرارا عابرا وإنما جاء بعد اتخاذ الإجراءات اللازمة وتطبيق معايير السلامة والتأكد من جاهزية المطار لاستقبال الطائرة والتعامل مع كافة الاحتمالات التي قد ترافق عملية الهبوط.
ثم هبطت الطائرة بسلام وكانت تلك اللحظة وحدها كافية لتقول إن وراء هذا الهدوء منظومة تعرف كيف تعمل؟
وأوضحت البيانات الرسمية تفاصيل الواقعة وأكدت أن الطائرة هبطت بسلام في مطار الأمير سلطان بن عبدالعزيز الدولي بتبوك وعلى متنها 174 راكبا إضافة إلى أفراد الطاقم وأن جميع الركاب تلقوا الرعاية اللازمة خلال وجودهم في المطار قبل أن يستكملوا رحلتهم على متن طائرة بديلة تابعة لشركة فلاي دبي كما أكدت وزارة الداخلية أن قائد الطائرة ومساعده تلقيا الرعاية الطبية اللازمة بعد الهبوط وأنهما غادرا لاحقا بعد تحسن حالتهما الصحية وسماح الفريق الطبي لهما.
وقد تبدو هذه التفاصيل للبعض مجرد معلومات إجرائية مرتبطة بحادثة طيران إلا أن الحقيقة أن وراء كل تفصيل منها قصة إنسانية كبيرة فالذي كان في الطائرة لم يكن رقما في بيان وإنما إنسان يحتاج إلى الأمان والرعاية والطمأنينة.
حين تقع حالة طارئة يصبح الإنسان هو القضية الأولى لا مكان للأسئلة الثانوية ولا مجال لتقديم أي اعتبار على سلامة الأرواح وهذا ما جسدته المملكة في هذه الواقعة فقد قدمت الجهات المختصة الرعاية للركاب وتعاملت معهم بمسؤولية واحترام وإنسانية حتى تمكنوا من استكمال رحلتهم والعودة إلى وجهتهم وهذا السلوك ليس جديدا على المملكة ولا هو موقف طارئ فرضته الظروف وإنما هو امتداد لقيم راسخة في المجتمع السعودي وديننا الإسلامي الحنيف الذي جعل الرحمة والإحسان وإغاثة المحتاج وحفظ النفس من أعظم القيم.
إن الإنسان عندما يمر بلحظة خوف أو اضطراب لا يحتاج إلى خطب طويلة وإنما يحتاج إلى من يقف إلى جانبه وهذا ما فعلته المملكة قدمت له الأمان قبل أي شيء وقدمت له الرعاية قبل أي سؤال وقدمت له الاحترام لأن كرامة الإنسان لا ترتبط بالظروف.
ومن أجمل ما يمكن استخلاصه من هذه الواقعة أن المملكة تعاملت مع الركاب بمنطق إنساني واضح فالإنسان الذي وصل إلى مطارها في ظرف طارئ وجد الرعاية والاهتمام ولم يكن معيار التعامل معه هو الجهة التي كان يقصدها أو المكان الذي كان متجها إليه وإنما كان المعيار هو أنه إنسان يحتاج إلى مساعدة وهذه صورة عميقة من صور الأخلاق التي تربى عليها أبناء هذه البلاد فالكرم ليس في استقبال الضيف عندما يأتي في ظروف مريحة فقط وإنما تظهر معاني الكرم الحقيقية عندما يأتي الإنسان في ظرف صعب والشهامة لا تظهر عندما تكون الأمور سهلة وإنما تظهر عندما يحتاج الآخر إلى من يقف معه.
وربما كانت أهم رسالة حملتها هذه الواقعة أن ما حدث لم يتحول إلى ضجيج إعلامي كبير ولم نر استعراضا لحجم الاستنفار ولم نشاهد سباقا لإظهار حجم الجهود ولم تتحول عملية تأمين طائرة وإنقاذ ركاب ورعايتهم إلى مناسبة لاستعراض قدرات الدولة أمام الكاميرات لقد قامت الأجهزة المختصة بواجبها وقام العاملون بأدوارهم وعملت الطواقم الطبية والإسعافية والأمنية والفنية كما ينبغي ثم عاد كل شيء إلى مساره الطبيعي وهذه واحدة من علامات الدول القوية أن تعمل مؤسساتها بكفاءة عالية دون حاجة إلى أن تتحدث عن كل ما تفعله
قد لا يعرف الناس ماذا يحدث خلف أبواب المطارات في لحظات الطوارئ وقد لا يدرك من يسير في الشوارع القريبة من المطار أن هناك منظومة كاملة تعمل في أعلى درجات الاستعداد وقد لا يشعر المسافر العادي بأن عشرات الأشخاص قد يكونون في تلك اللحظة منشغلين بحماية طائرة وضمان سلامة ركابها لكن هذا هو العمل الحقيقي أن يكون كل شيء جاهزا عندما يحتاجه الناس وأن تعمل الأجهزة المختصة بأقصى درجات اليقظة دون أن تجعل من الطوارئ حالة من الفوضى وأن يتحول الاستنفار إلى تنظيم والخوف إلى طمأنينة والخطر إلى سلامة وهذا ما حدث في مطار تبوك.
والأهم في هذه القصة أن الشهادة لم تأت من الإعلام وحده وإنما جاءت من الركاب أنفسهم هؤلاء الذين عاشوا اللحظة داخل الطائرة وهؤلاء الذين عرفوا معنى أن تضطر طائرتهم إلى تغيير مسارها والهبوط في مطار آخر وهؤلاء الذين نزلوا من الطائرة وهم بحاجة إلى الرعاية والاطمئنان وهؤلاء هم الذين يستطيعون أن يقولوا للعالم كيف وجدوا المملكة في تلك اللحظة وما تم تداوله من انطباعات وشهادات بعد عودتهم إلى وجهتهم يحمل قيمة كبيرة لأن الإنسان الذي يعيش الموقف لا يمكن أن تصنع له صورة إعلامية مصطنعة هو الذي رأى وهو الذي شعر وهو الذي سيحكي وعندما تكون شهادته عن حسن التعامل والرعاية والكرم والإنسانية فإنها تصبح رسالة تتجاوز حدود البيانات الرسمية.
لقد وضعت هذه الواقعة مطار الأمير سلطان بن عبدالعزيز الدولي بتبوك أمام اختبار حقيقي اختبار الجاهزية واختبار سرعة الاستجابة واختبار التنسيق بين الجهات واختبار الطواقم الطبية والإسعافية واختبار إجراءات السلامة واختبار القدرة على إدارة حالة طارئة دون إرباك وكانت النتيجة أن كل تلك المنظومات عملت في وقت واحد وبهدوء كامل
لقد أثبتت تبوك أن المطارات السعودية ليست مجرد محطات للطائرات وإنما منشآت متكاملة تقوم على منظومات دقيقة للسلامة والأمن والطوارئ والرعاية وأثبت العاملون فيها أن التدريب الذي لا يراه الناس في الأيام العادية تظهر قيمته الحقيقية عندما تأتي اللحظة التي لا تحتمل الخطأ.
وفي زمن أصبحت فيه بعض المؤسسات تقيس نجاحها بحجم ما يظهر على الشاشات وبعدد البيانات وبكثرة التصريحات فإن ما حدث في تبوك يقدم مفهوما مختلفا للنجاح أن تنجح دون ضجيج وأن تحمي دون استعراض وأن تنقذ دون تصوير وأن تقدم الرعاية دون انتظار الثناء وأن تؤدي واجبك لأنك تعرف أنه واجب وليس لأن أحدا سيصفق لك وهذه هي المهنية التي تستحق الاحترام وهذه هي المؤسسات التي تبني الثقة.
ولا يمكن قراءة هذا المشهد بعيدا عن القيم التي يقوم عليها المجتمع السعودي فالإسلام دين رحمة وإحسان وتكافل وحفظ للنفس وكرامة الإنسان والمملكة حين تتعامل مع الإنسان في مثل هذه الظروف إنما تعكس جانبا من هذه القيم في سلوك مؤسساتها وأفرادها فالإنسان الذي يمر بظرف طارئ لا يحتاج إلى أن نسأله عن الاختلافات وإنما يحتاج إلى أن نمد له يد العون وهذه الأخلاق ليست ضعفا بل هي قوة وليست تنازلا بل هي عزة وليست موقفا عابرا بل هي ثقافة وطن.
لقد أثبتت هذه الواقعة أن لقب مملكة الإنسانية لا يحتاج إلى حملة إعلامية حتى يثبت، يكفي موقف واحد ويكفي إنسان واحد خرج من تجربة صعبة وهو يحمل ذكرى طيبة ويكفي أن يرى العالم كيف تتعامل المملكة مع الأرواح عندما تكون في خطر.
المملكة التي تستقبل ملايين المسلمين في مواسم الحج والعمرة وتتعامل مع أعداد ضخمة من الزوار والمعتمرين وتضع سلامتهم في مقدمة أولوياتها تعرف تماما أن الإنسان لا يمكن أن يكون مجرد رقم والمطار الذي يستقبل طائرة في حالة اضطرارية يعرف أن كل راكب على متنها مسؤولية وهذه المسؤولية تم التعامل معها كما ينبغي.
وربما لم يشعر كثير من سكان تبوك بما جرى في تلك الساعات وربما مر الخبر بالنسبة إلى البعض كخبر طيران عابر لكن الحقيقة أن وراء ذلك الخبر ساعات من الجاهزية والاستعداد والعمل الدقيق وربما كانت أجمل شهادة على نجاح تلك المنظومة أن الناس لم يشعروا بالخطر فالنجاح في إدارة الأزمات لا يعني أن تجعل الناس يشعرون بحجم الخطر بل أن تمنع الخطر من أن يصل إليهم وهذا ما يجعل ما حدث في تبوك جديرا بالتوقف عنده.
إن ما حدث في مطار الأمير سلطان بن عبدالعزيز الدولي بتبوك يؤكد أن السلامة في المملكة ليست إجراء مؤقتا ولا استجابة عشوائية وإنما منظومة تعمل على مدار الساعة فالمطارات السعودية تستقبل يوميا أعدادا كبيرة من الرحلات والمسافرين وتتعامل مع مختلف الظروف ولذلك فإن الجاهزية للطوارئ جزء أصيل من عملها وما حدث في تبوك كشف أن هذه الجاهزية ليست مجرد خطط محفوظة في الملفات وإنما قدرة حقيقية على التطبيق والتنفيذ في الوقت المناسب وهنا تظهر قيمة التدريب وتظهر قيمة الانضباط وتظهر قيمة التنسيق وتظهر قيمة الإنسان الذي يقف في موقعه ويعرف أن أي خطأ قد تكون له عواقب كبيرة.
إن هذه الحادثة وإن كانت في ظاهرها حالة طيران طارئة فإن معناها يتجاوز الطائرة والمطار والركاب، إنها رسالة إلى العالم عن دولة تعرف كيف تتعامل مع الظروف الاستثنائية ورسالة عن شعب يعرف معنى الكرم ورسالة عن مؤسسات تعرف مسؤوليتها ورسالة عن قيم إسلامية تتحول في المملكة إلى سلوك وممارسة ورسالة عن وطن حين يحتاج إليه الإنسان يجده حاضرا.
لقد هبطت الطائرة اضطراريا لكن الذي ارتفع في تلك اللحظة كان صورة المملكة ارتفعت صورة مؤسساتها وارتفعت صورة رجالها ونسائها الذين كانوا يعملون في الميدان وارتفعت صورة تبوك التي استقبلت الحالة بهدوء وارتفعت قبل ذلك كله قيمة الإنسان.
قد تكتب عشرات المقالات عن الإنسانية وقد تصدر بيانات كثيرة عن الرحمة وقد ترفع شعارات عن حسن التعامل لكن موقفا واحدا في لحظة صعبة يمكن أن يقول أكثر من كل ذلك وهذا ما حدث في تبوك لم تكن هناك حاجة إلى خطاب طويل كانت هناك طائرة تحتاج إلى الهبوط وركاب يحتاجون إلى الأمان وقائد ومساعد يحتاجان إلى الرعاية الطبية ومطار عليه أن يكون جاهزا فكان الجميع في الموعد وكانت النتيجة أن هبطت الطائرة بسلام وتلقى الركاب الرعاية واستكملوا رحلتهم وغادر قائد الطائرة ومساعده بعد تحسن حالتهما الصحية وهكذا تتحدث الأفعال.
هذه هي السعودية التي نريد للعالم أن يعرفها دولة قوية في أنظمتها دقيقة في إجراءاتها حازمة في سلامتها رحيمة في تعاملها كريمة في مواقفها مستعدة في أزماتها هادئة عندما يضطرب الآخرون وقادرة على تحويل أصعب اللحظات إلى مشاهد من الطمأنينة والأمان
وهذا هو معنى الدولة التي تحترم الإنسان وهذا هو معنى المؤسسات التي تعرف مسؤوليتها وهذا هو معنى أن يكون الوطن قويا في إمكاناته وقيمه.
لقد غادرت الطائرة مطار تبوك لكنها تركت خلفها قصة تستحق أن تروى قصة عن مطار كان على أهبة الاستعداد وعن أجهزة عملت في صمت وعن طواقم طبية وإسعافية وأمنية وفنية أدت واجبها وعن ركاب وجدوا الرعاية في ظرف لم يكن سهلا وعن بلد لم يسأل الإنسان في لحظة حاجته إلا كيف يمكن أن نساعده.
وهكذا تكون مملكة الإنسانية لا بالضجيج ولا بالمبالغة ولا بالاستعراض بل بالمواقف وبالمهنية وبالرحمة وبالكرم وبالجاهزية وبالإنسان الذي يخرج من أرض المملكة وهو يحمل في ذاكرته صورة لا تنسى عن شعب كريم ووطن عظيم وقيادة حكيمة.
إن ما حدث في مطار الأمير سلطان بن عبدالعزيز الدولي بتبوك لم يكن مجرد هبوط اضطراري لطائرة بل كان هبوطا للطائرة وارتفاعا لقيمة الإنسان وكان اختبارا للجاهزية فنجحت المنظومة وكان اختبارا للمهنية فحضرت في أعلى صورها وكان اختبارا للإنسانية فكانت حاضرة بلا ضجيج وكان رسالة جديدة إلى العالم بأن المملكة العربية السعودية وطن الإنسانية.