علي بن عبدالله علي الوهابي
لم يعد الفضاء ذلك العالم البعيد الذي نتابع أخباره من شاشات التلفاز أو نراه في صور الأقمار الصناعية فخلال السنوات الأخيرة أصبح الفضاء حاضرًا في تفاصيل حياتنا اليومية من الاتصالات والملاحة وتحديد المواقع إلى مراقبة المناخ وإدارة الكوارث ودعم القطاعات الاقتصادية والأمنية.
ومن الرياض تستضيف هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية خلال الفترة من 12 إلى 14 أكتوبر 2026 فعالية «الحدث العالمي للاتصال والاستدامة الفضائية» بمشاركة دولية واسعة في مشهد يعكس المكانة المتنامية للمملكة في قطاع الاتصالات والفضاء والتقنيات الحديثة.
وتكتسب مثل هذه الفعاليات أهميتها من كونها لا تقتصر على عرض التقنيات الحديثة بل تفتح المجال أمام حوار أوسع حول مستقبل الاتصال والفضاء وكيف يمكن أن تتحول الابتكارات العلمية والتقنية إلى حلول عملية يستفيد منها الإنسان والاقتصاد والمجتمع.
فالحديث عن الاتصال اليوم لم يعد يعني فقط سرعة الإنترنت أو انتشار شبكات الهاتف وإنما أصبح مرتبطًا بمنظومة عالمية متكاملة تتداخل فيها الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي وشبكات الاتصالات الحديثة وتحليل البيانات والخدمات الرقمية.
أما الفضاء فلم يعد مجالًا حكرًا على الحكومات والوكالات الفضائية الكبرى فقد دخلت الشركات الخاصة بقوة إلى هذا القطاع وأصبحت هناك استثمارات متزايدة في إطلاق الأقمار الصناعية وتطوير تقنيات الاتصال الفضائي ومراقبة الأرض واستكشاف الموارد وهو ما يفتح بابًا واسعًا أمام فرص اقتصادية جديدة.
لكن هذا التوسع يطرح في الوقت نفسه سؤالًا مهمًا وهو كيف نحافظ على استدامة الفضاء مع تزايد النشاط البشري فيه؟
إن كثرة الأقمار الصناعية والمهمات الفضائية تعني ضرورة التعامل بجدية مع قضية الحطام الفضائي وتنظيم المدارات ورفع مستوى التنسيق الدولي بحيث لا يتحول الفضاء في المستقبل إلى بيئة مزدحمة يصعب استخدامها بأمان.
ومن هنا تأتي أهمية الشراكات الدولية خصوصًا أن الفضاء لا يعرف حدودًا سياسية بالمعنى التقليدي. فالقمر الصناعي الذي يمر فوق دولة قد يقدم خدمة لمستخدم في دولة أخرى والإشارات والبيانات الفضائية تعبر الحدود باستمرار.. ولذلك فإن تنظيم هذا القطاع يحتاج إلى تعاون دولي حقيقي ومعايير واضحة وتبادل للخبرات والتقنيات.
واللافت أن المملكة العربية السعودية تتحرك في هذا المجال ضمن رؤية أوسع لتنويع الاقتصاد والاستثمار في التقنيات المستقبلية فالاستثمار في الاتصالات والفضاء لا يتعلق فقط بإطلاق الأقمار الصناعية وإنما يمتد إلى بناء الكفاءات الوطنية ودعم الشركات التقنية وخلق وظائف نوعية وتشجيع الابتكار وربط البحث العلمي باحتياجات السوق.
ولعل أحد أهم الجوانب التي ينبغي التركيز عليها هو تحويل المعرفة إلى صناعة.
فالمؤتمرات والفعاليات الدولية مهمة لكنها تصبح أكثر قيمة عندما تفتح الطريق أمام مشاريع وشراكات حقيقية وعندما يجد رائد الأعمال والشركة الناشئة والمستثمر والباحث مساحة للالتقاء وبناء مشروع قابل للتطبيق.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية المعارض المصاحبة واللقاءات المباشرة مع أصحاب الشركات والخبراء.. فالكثير من الأفكار الكبيرة تبدأ أحيانًا من لقاء قصير أو نقاش عابر أو شراكة لم تكن موجودة قبل اجتماع واحد.
إن مستقبل قطاع الفضاء لن تصنعه الحكومات وحدها ولن تصنعه الشركات وحدها بل ستصنعه منظومة متكاملة تجمع الدولة والقطاع الخاص والجامعات والباحثين ورواد الأعمال والمستثمرين.
ومع تسارع التطور التقني فإن السؤال لم يعد.. هل سندخل عصر الفضاء؟
فنحن دخلناه بالفعل والسؤال الحقيقي هو.. ماذا سنقدم في هذا العصر؟
هل سنكون مجرد مستخدمين للتقنيات التي ينتجها الآخرون أم سنكون جزءًا من صناعة هذه التقنيات وتطويرها وتصديرها.
من الرياض يبدو أن الرسالة تتجه نحو الخيار الثاني نحو بناء حضور أكثر فاعلية في عالم تتداخل فيه الأرض بالفضاء والاتصالات بالاقتصاد والتقنية بالتنمية.
فالفضاء لم يعد بعيدًا كما كان يبدو لنا بل أصبح أقرب من أي وقت مضى إلى هواتفنا ومركباتنا ومؤسساتنا ومدننا واقتصاداتنا.
وربما تكون الخطوة الأهم في المرحلة المقبلة هي أن ننظر إلى الفضاء لا باعتباره مجالًا للإنجاز العلمي فقط وإنما قطاعًا اقتصاديًا واستثماريًا وصناعيًا قادرًا على صناعة فرص جديدة للأجيال القادمة.
وهذا هو المعنى الأعمق للاستدامة. أن نستخدم ما نملكه اليوم وأن نطور ما نحتاجه غدًا دون أن نغلق أبواب المستقبل أمام من سيأتي بعدنا.