أحمد بن محمد الغامدي
ليس كل رقم كبير قادرًا على أن يحكي قصة، لكن بعض الأرقام تفتح بابًا واسعًا من الأسئلة، ومن بينها الرقم الذي أعلنته وزارة الاستثمار بإتاحة 1730 فرصة استثمارية خلال النصف الأول من عام 2026، موزعة على 15 قطاعًا، من بينها الكيماويات والخدمات البيئية والسياحة وجودة الحياة والصناعة، ففي الربع الثاني وحده، صدرت أكثر من 9 آلاف رخصة استثمارية، بزيادة بلغت نحو 252 % مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
السؤال الذي يستحق التوقف عنده هنا ليس: كم فرصة لدينا؟ بل: من يلتقط هذه الفرص؟ فوراء كل فرصة استثمارية مشروع محتمل، ووراء المشروع صاحب فكرة يبحث عن التمويل، وشاب يرى في تخصصه الجامعي أو خبرته المهنية بداية طريق، ومنشأة صغيرة تستطيع أن تكبر إذا وجدت السوق والممكنات والتمويل المناسب.
واللافت أن قاعدة الأعمال التي يمكن أن تحمل هذه الفرص أصبحت أكبر من أي وقت مضى، فعدد المنشآت الصغيرة والمتوسطة في المملكة وصل إلى نحو 1.7 مليون منشأة، وفرت 8.88 مليون وظيفة، فيما ارتفعت مساهمتها في الناتج المحلي إلى 22.9 % وهذه الأرقام تقول شيئًا مهمًا: الاستثمار لم يعد حكاية كبار المستثمرين وحدهم.
قد تبدأ الفرصة الجديدة من شاب لاحظ مشكلة في مدينته، أو مجموعة صغيرة لديها فكرة تقنية، أو منشأة عائلية تريد تطوير نشاطها، أو صاحب مهنة اكتشف أن ما يقدمه يمكن أن يتحول إلى منتج وخدمة وسوق، والقطاعات التي تتقدم اليوم تعكس هذا التحول، فإلى جانب الكيماويات والخدمات البيئية، جاءت السياحة وجودة الحياة بـ227 فرصة، والصناعة والتصنيع بـ193 فرصة، فيما تمتد الخريطة إلى التقنية، والصحة، والزراعة، والنقل، والابتكار وغيرها.
وفي المقابل، لا تأتي هذه الفرص في سوق مغلق؛ فقد ارتفع صافي الاستثمار الأجنبي المباشر في المملكة خلال 2025 إلى 122.3 مليار ريال، مقارنة بـ79.9 مليار ريال خلال عام 2024، بنسبة نمو تقترب من 53 %. كل ذلك يضع المستثمر المحلي أمام مشهد مختلف.
نحن لا نحتاج فقط إلى مزيد من رؤوس الأموال، بل إلى جيل جديد من المستثمرين؛ مستثمر يعرف السوق، ويقرأ التحولات، ويستفيد من التقنية، ويعرف أن بناء المشروع يحتاج إلى صبر ومعرفة وإدارة، وليس مجرد توافر رأس المال، فالمستثمر الجديد قد يبدأ بفكرة صغيرة، لكن أثرها لا يبقى صغيرًا بالضرورة، مشروع ينمو يعني وظيفة جديدة، وخدمة أفضل، وسوقًا أوسع، وربما شركة تبدأ من مدينة سعودية ثم تجد طريقها إلى أسواق أخرى، لهذا فإن رقم 1730 فرصة لا ينبغي أن يبقى مجرد خبر اقتصادي.
الخلاصة
الفرصة حين تُعلن تصبح رقمًا، وحين تجد من يلتقطها تصبح مشروعًا، وحين ينجح المشروع، تصبح جزءًا من اقتصاد الوطن، المهم: من يتملك الشجاعة؟.