صالح القبلان
من المؤسف أن يمتلك بعض الناس قدرة كبيرة على رؤية عيوب الآخرين، ورصد أخطائهم، وتصيّد زلاتهم، وتضخيم هفواتهم، وكأنهم نصبوا أنفسهم أوصياء على الناس، بينما تغيب عنهم مرآة أنفسهم، فلا يرون فيها ما يرونه بوضوح في غيرهم.
ليس الخطأ في رؤية العيب أو نقد السلوك الخاطئ؛ فالنقد الموضوعي والنصيحة الصادقة قيمة، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول النقد إلى عادة، وتتبع الزلات إلى هواية، ويصبح الحديث عن عيوب الآخرين وسيلة للشعور بالتفوق والكمال.
والأخطر أن يطول انشغال الإنسان بعيوب الناس حتى ينسى عيوبه، فيرى نفسه فوق النقد وأبعد عن الخطأ، وقد يقوده ذلك إلى الغرور. قال تعالى: فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى .
والإنسان العاقل لا يحتاج إلى أن يكون معصومًا حتى ينصح غيره، لكنه يحتاج إلى الإنصاف؛ فإذا رأى خطأً في غيره، سأل نفسه: هل أقع في مثله؟ وإذا انتقد سلوكًا، راجع أثره في سلوكه هو. فهناك فرق كبير بين من ينتقد رغبة في الإصلاح، ومن ينتقد رغبة في الانتصار لنفسه.
والأشد خطورة أن يصبح تتبع عيوب الآخرين مصدرًا للشعور بالتفوق؛ فبعض الناس لا يكتفي برؤية الزلة، بل يبحث عنها وينتظرها ويحتفظ بها ليستخدمها متى أراد الانتقاص من الآخرين. ومع الوقت يفسد هذا السلوك صاحبه قبل أن يسيء إلى غيره.
ليس المطلوب أن نتغاضى عن الأخطاء، وإنما أن يكون نقدنا نزيهًا، وغايتنا الإصلاح لا التشفي، وأن نضع أنفسنا في الموضع نفسه الذي نضع فيه الآخرين.
فمن السهل أن تكون قاضيًا على الناس، لكن الأصعب أن تكون قاضيًا عادلًا على نفسك.
لا أحد كامل، وكل إنسان لديه ما يحتاج إلى مراجعة وإصلاح. ولذلك فإن الانشغال بإصلاح النفس رفعة، وتتبع عيوب الآخرين غفلة، والغرور أخطر عيب قد يحجب عن الإنسان بقية عيوبه.
وفي زمنٍ كثر فيه الحديث عن الآخرين، تبقى قيمة الإنسان في قدرته على محاسبة نفسه والإنصاف مع غيره؛ فالكبار لا يكبرون بتصغير الناس أو تتبع زلاتهم، وإنما يكبرون بأخلاقهم وتواضعهم وعدلهم. وأجمل انتصار يحققه الإنسان هو أن ينتصر على غروره، وأن ينشغل بإصلاح نفسه قبل الانشغال بعيوب الآخرين.