إبراهيم أبوهيف
في زمن يصنع فيه الذكاء الاصطناعي صورة في ثوان، وتدفع الخوارزميات بصورة إلى مقدمة الشاشة ثم تستبدلها بأخرى قبل أن يكتمل معناها، تقف صورة حقيقية عمرها سبعون عامًا لتقول الكثير من دون مؤثرات، خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- في شبابه ضمن المتطوعين لمواجهة العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، صورة تحمل في ملامحها تاريخًا، وفي معناها موقفًا، وفي بقائها رسالة إلى أجيال وُلدت بعد الحدث بعقود لكنها تعيش اليوم امتداد معناه.
لم تكن مصر يومها أمام أزمة عابرة، كانت تواجه عدوانًا، وكانت المملكة بقيادة الملك سعود بن عبدالعزيز -رحمه الله- تعرف موقعها من المعركة، أيدت مصر، وأعلنت التعبئة العامة، وفتحت باب التطوع لأبناء المملكة، وأوقفت النفط وقطعت العلاقات الدبلوماسية، وفي صفوف الاستعداد كان خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- حاضرًا بالموقف والفعل.
ولم يقف حضوره عند التطوع، فقد ارتبط اسم خادم الحرمين الشريفين -حفظه الله- في العام نفسه بلجنة التبرع لمنكوبي السويس، لتجتمع في صفحة واحدة من سيرته معاني النصرة والإغاثة والمساندة.
مصر تواجه العدوان، والمملكة تتحرك بأدوات الدولة، وأبناء المملكة يتحركون بدافع الأخوة، وخادم الحرمين الشريفين في مقدمة هذا الحضور السعودي الذي لم يجعل المسافة بين الرياض والسويس حاجزًا أمام الواجب.
احتفظوا بهذه الصورة جيدًا، لأن التاريخ سيعود بعد سبعة عشر عامًا ليضع أمامها صورة أخرى.
في السادس من أكتوبر 1973 عبر الجيش المصري قناة السويس، وانهار خط بارليف، وعادت الإرادة العربية إلى الميدان، وفي المملكة كان جلالة الملك فيصل بن عبدالعزيز -رحمه الله- يقود موقفًا تجاوز حدود المساندة إلى صناعة تأثير دولي، فدخل النفط معادلة الحرب، وخُفض الإنتاج، ثم جاء حظر التصدير ، بالتوازي مع توجيه القوات المسلحة السعودية للاستعداد والتحرك إلى الجبهة السورية لدعم دول المواجهة.
كانت المملكة تخوض معركة القوة بكل أدواتها، قرارًا سياسيًا، وثقلًا اقتصاديًا، وحضورًا عسكريًا، وإسنادًا شعبيًا، وكان جلالة الملك فيصل -رحمه الله- يضع وزن المملكة حيث يتطلبه الموقف، فارتبط اسمه بأكتوبر، ليس بوصفه شاهدًا على المعركة، بل قائدًا عربيًا شارك في تغيير حساباتها خارج ميادين القتال كما تغيرت داخلها.
وفي هذه الصفحة يعود اسم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- إلى مصر من جديد، فقد كان آنذاك أميرًا لمنطقة الرياض، وترأس اللجنة الشعبية لدعم المجهود الحربي في مصر، كما ترأس اللجنة الشعبية لدعم المجهود الحربي في سوريا، لتتصل صورة التطوع في 1956 بصورة المسؤولية في 1973، ويتحول خط العمر إلى خط موقف، وتبقى مصر حاضرة في محطات راسخة من مسيرة خادم الحرمين الشريفين.
هنا يصبح السادس من أكتوبر أكثر من ذكرى لنصر عسكري، فهو نافذة يستطيع منها جيل «زد» و«ألفا» أن يرى كيف كانت الدول تعرف بعضها في لحظات الاختبار، وكيف كانت المملكة تقرأ قوة مصر جزءًا من قوة العرب، وكيف دخلت السعودية المعركة بما تملك، من الجبهة إلى النفط، ومن القرار إلى الدعم، ومن القيادة إلى الشعب.
وهذه الأجيال تحديدًا تستحق أن ترى الصورة كاملة، لأنها أجيال لا تنقصها المعلومات، بل تحاصرها المعلومات، لا تعاني من ندرة الصور، بل من طوفان الصور، ولا تنتظر من يخبرها بما حدث، فهي تستطيع أن تسأل الذكاء الاصطناعي وتحصل على إجابة قبل أن ينتهي فنجان القهوة، لكن الفارق دائمًا بين أن تعرف الواقعة وأن تدرك معناها، وبين أن ترى الصورة وأن تعرف ما وراءها.
لهذا لا نقول لجيل «زد» و«ألفا» احفظوا عام 1956 وعام 1973 كرقمين، بل انظروا إلى الصورة، خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- في صفوف التطوع لمصر، ثم انظروا إلى حرب أكتوبر، جلالة الملك فيصل بن عبدالعزيز -رحمه الله- يقود موقف المملكة ويضع قوتها في قلب المعادلة، ثم تقدموا معنا إلى حاضر المنطقة، وستجدون أن الحكاية لم تغلق صفحتها.
في الحادي والعشرين من مارس 2026، ومع اشتداد المخاطر الإقليمية حول المملكة ودول الخليج، توجه السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى المملكة والتقى صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء - حفظه الله-، وأكد دعم مصر التام للمملكة، وأن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من أمن مصر، وأن الأمن القومي لدول الخليج العربي امتداد للأمن القومي المصري، مع استعداد القاهرة لتقديم أشكال الدعم للحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها.
ثم جاء لقاء الخامس عشر من سبتمبر بين الرئيس المصري وصاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظه الله- ليجدد المعنى بعبارات أكثر وضوحًا، العلاقات بين المملكة ومصر تمثل ركيزة أساسية في منظومة العمل العربي المشترك، ويظل التنسيق بين الرياض والقاهرة أحد أعمدة استقرار المنطقة ، وأمن السعودية ودول الخليج جزء من الأمن القومي المصري، وأي تهديد يمس سيادة المملكة واستقرارها وسلامة أراضيها يقابله موقف مصري بالرفض والإدانة والتضامن.
لكن الحكاية لم تتوقف عند التصريحات
قبل ذكرى السادس من أكتوبر بأيام، كشف وزير الخارجية المصري الدكتور بدر عبدالعاطي أن مصر تحركت منذ بداية الاعتداءات التي تعرضت لها دول خليجية، وعرضت أشكال الدعم الممكنة على الأشقاء، وأن بعض الدول طلبت المساعدة فاستجابت القاهرة، وأن ما قدمته شمل دعمًا عسكريًا إلى عدد من الدول الخليجية، مؤكدًا أن مصر لا تتأخر عن أشقائها وأن أمن الخليج متصل مباشرة بأمن مصر واستقرارها.
وعندما توضع هذه المحطات إلى جوار بعضها، تتضح الحكاية كاملة، ففي عام 1956 وقفت المملكة إلى جانب مصر وهي تواجه العدوان، وفي أكتوبر 1973 سخرت المملكة ثقلها السياسي والاقتصادي والعسكري لدعم المعركة العربية، واليوم، ومع التهديدات التي طالت دولًا خليجية، تؤكد مصر أن أمن المملكة والخليج جزء من أمنها القومي.
من العدوان الثلاثي إلى حرب أكتوبر، ومن القاهرة إلى الرياض، تبدلت السنوات والساحات وبقي المعنى واحدًا، أمن المملكة ومصر متصل، وقوة كل منهما سند للآخر، والموقف في ساعة الخطر هو الذي حفظ لهذه العلاقة مكانها في ذاكرة الشعبين، جيلًا بعد جيل.
وهنا تصبح الصورة رسالة مباشرة إلى جيل «زد» و«ألفا»، خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- شابًا ضمن المتطوعين للدفاع عن مصر عام 1956، مشهد حقيقي من تاريخ المملكة، يكفي وحده ليقول للأجيال الجديدة إن المواقف الكبرى لا تحتاج إلى صناعة، لأنها حين تُصنع بالفعل تبقى أقوى من الزمن.
وحين تقول لشاب مصري إن جلالة الملك فيصل بن عبدالعزيز -رحمه الله- وضع النفط السعودي في قلب معركة أكتوبر، وإن القوات السعودية تحركت لدعم جبهة المواجهة، وإن خادم الحرمين الشريفين ـ حفظه الله ـ تولى دعم المجهود الحربي المصري، فأنت تضع أمامه جزءًا أصيلًا من ذاكرة النصر، وتكشف له كيف كانت المملكة حاضرة في لحظة عربية فارقة، بالموقف والقرار والدعم.
ثم حين يقرأ الاثنان اليوم أن صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظه الله- والسيد الرئيس عبدالفتاح السيسي يؤكدان وحدة المصالح والأهداف، وأن القاهرة تعتبر أمن المملكة جزءًا من أمنها، يصبح الحاضر أوضح لأن خلفه تاريخًا، ويصبح التاريخ أقرب لأن أمامه حاضرًا يعيد تأكيد المعنى.
هذه هي الحكاية التي تستحقها أجيال «زد» و«ألفا»، لا درسًا مطولًا في العلاقات الدولية، ولا سردًا جامدًا للأسماء والتواريخ، بل صورًا حين توضع إلى جوار بعضها تتكلم، خادم الحرمين الشريفين-حفظه الله- في 1956، جلالة الملك فيصل -رحمه الله- في 1973، وصاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظه الله- مع الرئيس المصري في حاضر تموج حوله المنطقة بالحروب والمخاطر.
ثلاثة أزمنة، ورسالة واحدة، الدول الكبيرة لا تنتظر الخطر حتى يصل إلى حدودها كي تدرك معنى أمن الأشقاء، والقيادات التي تعرف قيمة التاريخ لا تقرأ الجغرافيا خطوطًا تفصل، بل دوائر أمن تتصل، والشعوب التي تعرف ماذا حدث بالأمس تستطيع أن تفهم بصورة أعمق ما يحدث اليوم.
وفي ذكرى السادس من أكتوبر، ربما تكون هذه الحكاية هي الأقرب إلى لغة جيل لا يحب المحاضرات لكنه يحترم الدليل، ولا يبحث عن الشعارات لكنه يتوقف أمام الصورة، صورة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- متطوعًا لمصر ليست مجرد ذكرى تستعاد، بل وثيقة لموقف سعودي مبكر، وموقف جلالة الملك فيصل -رحمه الله- في أكتوبر ليس صفحة أغلقت، بل شاهد على معنى القوة حين توضع في موضعها، ثم ينظر إلى الحاضر فيجد القاهرة تؤكد أن أمن المملكة والخليج من أمنها القومي وتترجم ذلك إلى مساندة حين تستدعي الظروف، عندها لا يصبح التاريخ مجرد صور محفوظة، بل عهدًا تصونه المواقف، وذاكرة تحملها الأجيال، وحكاية تقول: إن ما جمع الرياض والقاهرة في ساعات الشدة لم يكن عابرًا، بل رصيدًا من الوفاء، وسندًا في الملمات، وأمنًا إذا اشتدت الأخطار عرف طريقه من ضفة إلى ضفة.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي، يستطيع جيل كامل أن يصنع صورة لماض لم يحدث، لكن المملكة ومصر لا تحتاجان إلى صناعة ماضٍ جديد، لديهما من الصور الحقيقية ما يكفي، ومن المواقف ما يبقى، ومن التاريخ ما يُروى.
ولعل أصدق ما يُختتم به هذا التاريخ هو ما قاله أصحابه بألسنتهم؛ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- يقول عن مصر: «مصر بلد عزيز علي جدًا»، وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظه الله- يقول عن موقفها في ساعة الاختبار إن «المملكة لن تنساه»، فيما يؤكد السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي أن «أمن المملكة جزء لا يتجزأ من أمن مصر»، ثلاث عبارات، وثلاثة أجيال من القيادة، وبينها حكاية لا تحتاج إلى تفسير كثير، عِزة في القلب، ووفاء لا يُنسى، وأمن لا ينفصل، وهكذا يعرف جيل «زد» و«ألفا» أن ما بين الرياض والقاهرة ليس تاريخًا يُروى فقط، بل معنى بقي حيًا من جيل إلى جيل، ومن قيادة إلى قيادة، ومن موقف إلى موقف.